فهرس الكتاب
فهذا الاستفصال عن الحامل غير معتاد في فعل الكبيرة، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يسأل ماعزا أو الغامدية، أو التي سرقت، أو الذي شرب الخمر عن الحامل لهذا العمل؛ لأن العبرة بالعمل نفسه، فمن أتاه عالما غير جاهل: استحق العقوبة، فإن كان ولا بد من سؤال فعن العلم والجهل، لا عن الحامل.
لكن الاستفصال عن القصد والنية في الأعمال الكفرية له معنى؛ لأن الحكم بالكفر على المعين لايثبت إلا بثبوت الشروط وانتفاء الموانع، ومن ذلك معرفة أن الحامل هو محبة دينهم.
2-حكم ما أتى به حاطب.
هل ما أتى به كفر أكبر، أم كفر أصغر، في منزلة الكبيرة؟.
لمعرفة ذلك علينا النظر والتأمل في بعض ما ورد في القصة من كلمات:
قال حاطب: (ما فعلت ذلك كفرا، ولا ارتدادا عن ديني) .
في هذا دلالة على أن المستقر عند الصحابة وحاطب منهم: كفر من نصر الكافرين. ولذا بادر حاطب بنفي هذه التهمة بالأخص عن نفسه.
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكذب قول حاطب: أنه لم يفعله كفرا ولا ردة.
فلو كان الذنب كبيرة، لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليسكت عنه من غير تصحيح لمرتبة الذنب، ولَخَطّأَهُ في قوله، كما خَطّأَهُ في فعله، خاصة والمقام مقام بيان، والبيان هنا من أوجب الواجبات؛ لأن إطلاق وصف الكفر على عمل، وليس هو كذلك، يفضي إلى تغيير أحكام الله تعالى، وما يترتب عليه من مفاسد لا تخفى.
فهل يتصور أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ليتركه يطلق هذا الحكم، دون أن يكون منه تصحيح واضح، وهو الذي كان ينهى عن نعت من كان معه بالنفاق ؟!.
تصديق النبي صلى الله عليه وسلم له، حيث قال: (إنه قد صدقكم) .
والتصديق هنا وإن كان بالأصالة متوجها إلى نفي أن يكون فعل ذلك كفرا، فهو يفيد كذلك: موافقته حاطبا على اعتقاده: أن هذا الصنيع منه كفر في حقيقته.
قول عمر رضي الله عنه: (دعني يا رسول الله، فأضرب عنقه) .