فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 87

في هذا دلالة أخرى على أن المستقر لدى الصحابة: أن هذا الفعل من أفعال المنافقين، وأن من أظهر ذلك فقد أظهر كفرا، يستحق به القتل.

يبين هذا ما جاء عند الطبري: (فقال: أليس قد شهد بدرا؟، قال: بلى، ولكنه نكث، وظاهر أعداءك عليك) ، (1) فهذا يدل على أن عمر قدر فعله أنه كفر. وقد جاء في بعض الروايات التصريح بهذا، قال ابن حجر في الفتح:"وفي حديث ابن عباس: (قال عمر: فاخترطت سيفي وقلت: يا رسول الله!، أمكني منه فإنه قد كفر) ". (2)

ويؤكده: أن أحدا من الصحابة لم يعترض على عمر إنكاره، ووصفه لحاطب بالنفاق.

لكن يشكل على هذا الترجيح: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وما يدريك؟!، لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، قد غفرت لكم) .

ووجه الإشكال: أن الكفر والشرك ذنبان لا يغفران بالحسنات، مهما بلغت، إلا بالتوبة، لقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} ، وهذا نص يفيد حبوط عموم الحسنات، فشهود بدر لا يكفّر الكفر والشرك الأكبر، فلو أن حاطبا مرتكب كفرا بمصانعته الكفار، لما نفعه شهود بدر، وإنما نفعه لكون ما فعله كبيرة، تغفر بالحسنات الكبيرة الماحية.

وهكذا يبدو هذا التوجيه سديدا، يفيد أن ما أتى به حاطب ليس إلا كبيرة، لولا أنه مختزل مجتزء، لا يعطي الصورة الحقيقية للحادثة..!!.

بل الصورة الحقيقة هي ما يلي:

أن حاطبا خابر المشركين بعزم النبي صلى الله عليه وسلم.

(1) 40) - جامع البيان 22/561.

(2) - الفتح 12/309 قال بعدها:"وقد أنكر القاضي أبو بكر بن الباقلاني هذه الرواية، وقال: ليست بمعروفة. قاله في الرد على الجاحظ؛ لأنه احتج بها على تكفير العاصي، وليس لإنكار القاضي معنى؛ لأنها وردت بسند صحيح، وذكر البرقاني في مستخرجه: أن مسلما أخرجها. ورده الحميدي، والجمع بينهما: أن مسلما خرج سندها، ولم يسق لفظها". أنظر كلامه التالي، وفيه تفسير معنى قول عمر:"كفر"بما يوافَق على بعضه دون بعض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت