فهرس الكتاب
والثاني: لغير الدين. مثل: المحبة للدنيا، والبر والقسط، والنكاح، والأكل من طعام الكتابي، ومجالستهم، ومعاملتهم بالتبايع، والعهود، والحلف ونحو ذلك.
فهذا الثاني في أصله مباح، بشرط ألا يضر بالدين بارتكاب محرم، فإن فقد الشرط فعلى نوعين:
إما كفر أكبر. إذا وقعت هذه الأمور لأجل دينهم، فيكون بذلك ولاء للكافرين.
وإما دون الكفر، إذا وقف عند حد الدنيا.
فكل هذه الأمور - التي هي لغير الدين - دلت على جوازها نصوص الوحي، فلم تنه عنها، ولم تجعلها من معاني الولا، كقوله: {إنك لا تهدي من أحببت} . [القصص56]
فدل ذلك: على خروجها عن حد الولاء في الاصطلاح الشرعي، القاصر على الولاء للدين.
فهي في أصلها مباحة كأكل طعام الكتابي، والزواج بكتابية.
وبعضها مستحب كالبر والقسط والإحسان إلى الضعفاء منهم.
فإن صحبها منكر فهو محرم، بحسب نوع المنكر ومحله؛ إن كان محبة لدينهم فعل ذلك فهو كفر أكبر، وإن كان محبة للدنيا فليس بكفر.
فمجرد البر والقسط والإحسان لا يدخل في المعنى الشرعي للولاء، كغيره من الأحوال الآنفة الذكر؛ إذ هذا مختص بالمحبة والنصرة للدين.
كذلك مجرد العداوة والخصومة لا يدخل في المعنى الشرعي للبراء؛ إذ هذا مختص بالبغض والعداوة في الدين. فقد قال الله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} [الممتحنة 8-9] .
فأمر بالبر والقسط بالكافر غير المحارب، لكن لم يجعله من الولاء، فلم يسمه به. فلما ذكر المحاربين نهى عن توليهم، وسماه باسمه"الولاء"، فدل هذا على: أن البر والقسط ليس من الولاء.
ثم إنه نهى عن العداوة والخصومة والقتال بين المؤمنين، ولم يسمه براء، في نصوص كثيرة، لكنه سماه كذلك في حق الكافرين المحاربين: