فهرس الكتاب
وكان يفتي بمذهب مالك لا يجاوزه، مع أن تقليد مذهب واحد لم يكن شائعا في ذلك الزمان، لا في الخاصة ولا في العافة.
ورووا أن يحمى بن يحمى التزم بمذهب مالك إلا في أربع مسائل اتبع فيها الليث، فكان لا
يرى القنوت في الصجح ولا في غيرها، وخالف مالكا في الأخذ باليمين مع الشاهد فلم ير القضاء به، وقضى برأي أمينين إذا لم يوجد من أهل الزوجين حكمان، ورأى كراء الأرض بما يخرج منها على مذهب الليث (1) .
وأنكروا عليه هذه المخالفة اليسيرة لشدة حبهم لمالك ومذهبه.
شهوده اخر ايام مالك:
عن يحى بن يحيى أنه لما امتد بالإمام مالك مرضه الذي مات فيه، اجتمع أصحاب مالك بالمدينة من كان من أهلها ومن كان من غيرها ممن كان عنده طالبا، وعددهم ثلاثون ومائة من الفقهاء والعلماء، فدخلنا عليه لنريه أنفسنا، ونسأله عن حاله، فسلمنا عليه، فلما فركنا أقبل علينا بوجهه، فقال: الحمد لله الذي أضحك وأبكى وأمات وأحيا، ثم قال لنا: إنه قد جاء أمر الله عر وجل، فلا بد من لقاء الله جل ثناؤه، فقلنا: يا أبا عبد الله كيف تجدك؟ قال: أجدني مستبشرا بصحبة أولياء الله عر وجل وأهل العلم، وليس شيء أعز على الله عز وجل بعد أنبجائه صلوات الله وسلامه عليهم منهم، ومستبشرا بطلبي هذا الأمر، لأن كل عمل فرضه الله جل وعر وسنه رسول الله يخ@ه وصل إلينا من فئ رسول الله طلالمجه، فمن لزم الصلاة وحافظ عليها فله كذا وكذا، ومن حبئ بيت الله جل وعز حجة مبرورة فله عند الله جل وعز كذا وكذا، ومن جاهد في سبيل الله جل ثناؤه، يريد ما عند الله جل وعز فله كذا وكذا، كل هذا قد عرفه من أفهمه الله بئ وعر هذا الأمر، فلم يبلغ علم عالم ما لطالب هذا الأمر عند الله جل وعر من الكرامة له والثواب (فإن هذا العلم ميراث الأنبجاء، يمكن تحصيل العلوم الأخرى الأدبية والعقلية والرياضية من غير طريق النبوة، بخلاف علم الثواب والعقاب وعلم الشرائع والأديان، فإنه لا سبيل إلى معرفته إلا بالاستضاءة من مشكوة النبوة، فكل من طلب هذا الأمر وتتبعه له كرامة كبيرة وثواب جزيل مثل كرامة الأنبجاء وثلإ ابهم، ولا يعلم كنهه إلا الله) ، والله لأحدثنكم بحديث حدثنيه ربيعة ما حدثتكم به إلى وقتي هذا، يقول: والذي لا إله إلا هو لرجل يخطىء في صلاة لا يدري كيف رفعها، فيأتي مستفتيا فأفتيه فيها بالعلم فأحمله على الصواب خير من أن تكون لي الدنيا فأفرقها في الآخرة، ولأحدثنكيم بحديث حدثني به يحمى بن سعيد الأنصاري ما حدثتكم به إلى وقتي هذا، قال: والذي لا إله إلا هو، أقول لكم: لشيء من العلم أسمعه من العالم، فيتشابه علي بعضه، فأقول في نفسي قال لي كذا وكذا فأذكره وقد أخذت مضجعي، فأبيت متفكرا فيه حتى أصبح، فإذا أصبحت أتيته فسألته
(1) القاضي عياض. ترتيب المدارك ا: 38 د، الإمام الذهبي: سير أعلام النلاء10: 522.