الصفحة 28 من 40

التمادي في الفسق (1) : وذلك بأن يصبح الفسق ديدنًا له، كاعتياده ارتكاب المحظورات، وإقدامه على اقتراف المنكرات، تحكيمًا لشهوته وهواه؛ ومعلوم أن الفاسق لا يجوز توليته ابتداء (2) ، ولكن إن كان عدلًا ثم جار وفسق، أو فُرض على الأمة فرضًا ـ كما هو الحال في كثير من بلاد المسلمين اليوم ـ فإن العلماء قد اختلفوا في الخروج عليه، والرأي الوسط الجامع لقولي العلماء: أن الأمة إن استطاعت عزله وخلعه بدون ضرر أو مع ضرر أخف من إبقائه، وجب عليها خلعه؛ أما إن كان الضرر المترتب على الخلع أكبر من الضرر المترتب على إبقائه، فلا يجوز الخروج عليه، كي لا تكون كمن يبني قصرًا، ويهدم مصرًا.

ولعل هذا ما تشير إليه بعض روايات حديث عبادة - رضي الله عنه - السابق من عدم الخروج على الحاكم، ففي بعض الروايات:"وَإِنْ أَكَلُوا مَالَكَ، وَضَرَبُوا ظَهْرَكَ" (3) ، وبالجمع مع أحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحديث عقبة بن مالك - رضي الله عنه - السابق، وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم - قال:"أَعَجَزْتُم إِذْ بَعَثْتُ رَجُلًا مِنْكُم، فَلَمْ يَمْضِ لأَمْرِي أَنْ تَجْعَلُوا مَكَانَهُ مَنْ يَمْضِي لأَمْرِي؟" (4) . يمكن الوصول إلى هذه النتيجة (5) .

(1) اشترطنا التمادي، وذلك لأن الفسق الذي يجري مجرى العثرة لا يوجب خلع الإمام. الجويني: الغياثي (ص 119 دار الدعوة) ، ابن مفلح: الفروع (6/474) .

(2) ابن حجر: فتح الباري (14/498) ، ابن بطال: شرح صحيح البخاري (15/232) .

(3) السيوطي: تنوير الحوالك (1/374) .

(4) سبق تخريجه (ص 14) ، وهو حسن.

(5) انظر: ابن عابدين: حاشية رد المحتار (4/451) ، ابن حجر: فتح الباري (14/498) ، النووي: روضة الطالبين (3/436) ، عودة: التشريع الجنائي (1/109، 2/242) ، شاملة، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (5/229) ، ابن بطال: شرح صحيح البخاري (15/232) ، ابن تيمية: مجموع الفتاوى (28/129-130) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت