فهرس الكتاب
قوله: وَمِنْهَا: جَوَازُهُ عَلَى السَّفِيهِ:
أي: يحجر عليه بالسفه (1)
(1) السَّفَهُ في اللغة: هو نقص في العقل , وأصله الخفَّة , وسَفَهُ الحق جهْلُه , وسَفَّهْتَه تَسْفيهًا: نسبتَه إلى السَّفَه , أو قلتَ له: إنه سفيه . وهو سفيه , والأنثى سفيهة , والجمع سُفَهاء . وأما اصطلاحا: فقد اختلفت عبارات الفقهاء في تعريفه: فذهب الحنفية إلى أن السفه هو تبذير المال وتضييعه على خلاف مقتضى الشرع أو العقل , كالتبذير والإسراف في النفقة , وأن يتصرف تصرفات لا لغرض , أو لغرض لا يعده العقلاء من أهل الديانة غرضا , كدفع المال إلى المغنين واللعابين وشراء الحمام الطيار بثمن غال , والغبن في التجارات من غير محمدة ( أو غرض صحيح ) . وأصل المسامحات في التصرفات والبر والإحسان مشروع إلا أن الإسراف حرام كالإسراف في الطعام والشراب , ولذا كان من السفه عند الحنفية تبذير المال وتضييعه ولو في الخير كأن يصرفه كله في بناء المساجد ونحو ذلك . وذهب المالكية: إلى أن السفه: هو التبذير ( أي: صرف المال في غير ما يراد له شرعا ) بصرف المال في معصية كخمر وقمار , أو بصرفه في معاملة من بيع أو شراء بغبن فاحش ( خارج عن العادة ) بلا مصلحة تترتب عليه ؛ بأن يكون ذلك شأنه من غير مبالاة , أو صرفه في شهوات نفسانية على خلاف عادة مثله ، في مأكله ، ومشربه ، وملبوسه ، ومركوبه ، ونحو ذلك . أو بإتلافه هدرا ، كأن يطرحه على الأرض ، أو يرميه في بحر ، أو مرحاض , كما يقع لكثير من السفهاء يطرحون الأطعمة والأشربة فيما ذكر ، ولا يتصدقون بها . وأما الشافعية فقد ذهب الماوردي إلى التفرقة بين التبذير والسرف , فقال: التبذير: الجهل بمواقع الحقوق , والسرف: الجهل بِمَقادير الحقوق . وكلام الغزالي يقتضي ترادفهما . وعلى كل حال فإن السفيه عند الشافعية هو الذي يضيع ماله باحتمال غبن فاحش في المعاملة ونحوها ، إذا كان جاهلا بها - أما إذا كان عالما بالمعاملة فأعطى أكثر من ثمنها فإن الزائد صدقة خفية محمودة , أي إن كان التعامل مع محتاج وإلا فهبة . ومن السفه عندهم أن يرمي ماله وإن كان قليلا في بحر ، أو نار ، أو نحو ذلك ، أو ينفق أمواله في محرم . والأصح عند الشافعية أن صرف المال في الصدقة ووجوه الخير , والمطاعم والملابس التي لا تليق بحاله ليس بتبذير . أما في الأولى وهو الصرف في الصدقة ووجوه الخير ؛ فلأن له في الصرف في الخير عوضا , وهو الثواب , فإنه لا سرف في الخير كما لا خير في السرف . وحقيقة السرف: ما لا يكسب حمدا في العاجل ولا أجرا في الآجل . ومقابل الأصح في هذا النوع أنه يكون مبذرا إن بلغ مفرطا في الإنفاق . فإن عرض له ذلك بعد البلوغ مقتصدا فلا . وأما في الثانية وهو الصرف في المطاعم والملابس فلأن المال يتخذ لينتفع به ويلتذ به , ومقابل الأصح في هذا النوع يكون تبذيرا عادة . وذهب الحنابلة إلى أن السفيه هو المضيع لماله المبذر له . قال ابن المنذر: أكثر علماء الأمصار من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر يرون الحجر على كل مضيع لماله صغيرا كان أو كبيرا . انظر المبسوط للسرخسي 24/157 ، تبيين الحقائق للزيلعي 5/192 ، العناية شرح الهداية للبابرتي 9/259 ، الجوهرة النيرة 1/241 ، كشف الأسرار على أصول البزدوي 4/369 ، التقرير والتحبير لابن أمير حاج 2/201 ، شرح التلويح على التوضيح 2/381 ، حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني 2/224 ، المنتقى شرح الموطأ 6/107 ، أحكام القرآن لابن العربي 1/331 ، حاشية الصاوي على الشرح الصغير 3/393 ، نهاية المحتاج للرملي 4/353 ، حاشية البجيرمي على الخطيب 3/82 ، المغني لابن قدامة 4/302 .