فهرس الكتاب
بقي أن يقال: قولهم: لا دخل للقاضي / (1) ولا للمفتي فيها ، يشير إلى ما صرحوا به من أن السياسة حكم لم يرد به الشرع ، لكن يعكر عليه قولهم: أنها شرع مغلظ (2)
(1) بداية ص 180/أ من النسخة ( ب ) .
(2) قال ابن القيم رحمه الله في كتابيه: إعلام الموقعين عن رب العالمين 4/372و373 و الطرق الحكمية في السياسة الشرعية 17: (( هذا موضع مزلة أقدام ، ومضلَّة أفهام ، وهو مقام ضنك ، في معترك صعب ، فرَّط فيه طائفة ؛ فعطلوا الحدود ، وضيعوا الحقوق ، وجرَّؤوا أهل الفجور على الفساد ، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد ، وسدُّوا على أنفسهم طرقًا صحيحةً من الطّرق التي يعرف بها المحق من المبطل ، وعطَّلوها مع علمهم وعلم الناس بها أنها أدلة حق ، ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع ، والذي أوجب لهم ذلك: نوع تقصير في معرفة حقيقة الشريعة ، والتطبيق بين الواقع وبينها ، فلمَّا رأى ولاة الأمر ذلك ، وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة ، أحدثوا لهم قوانين سياسية ، ينتظم بها مصالح العالم ، فتولد من تقصير أولئك في الشريعة ، وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شرٌّ طويلٌ ، وفسادٌ عريضٌ ، وتفاقم الأمر ، وتعذر استدراكه . وأفرط فيه طائفة أخرى فسوغت منه ما يناقض حكم الله ورسوله . وكلا الطائفتين أُتِيَت من قِبَلِ تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسولَه ؛ فإن الله أرسل رسُلَه ، وأنزل كُتُبَهُ ليقوم الناس بالقسط ، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض ، فإذا ظهرت أمارات الحق ، وقامت أدلة العقل ، وأسفر صُبْحَه بأي طريق كان ، فثمَّ شرع الله ، ودينه ، ورضاه ، وأمره ، والله تعالى لم يحصر طرق العدل ، وأدلته ، وأماراته ، في نوع واحد ، وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه ، وأدلَّ ، وأظهر ؛ بل بيَّن بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل ، وقيام الناس بالقسط ، فأي طريق استخرج بها الحق ، ومعرفة العدل ، وجب الحكم بموجبها ومقتضاها ، والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها ، وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد ، ولكن نبه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها ، ولن تجد طريقا من الطرق المثبتة للحق إلا وهي شرعة ، وسبيل للدلالة عليها ، وهل يظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك ؟ ولا نقول إن السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة ؛ بل هي جزء من أجزائها ، وباب من أبوابها ، وتسميتها سياسة أمر اصطلاحي وإلا فإذا كانت عدلًا فهي من الشرع ) ).