وقد أشار إلى هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عندما قال:"ولما كان النبي - - صلى الله عليه وسلم -- قد أخبر: أن هذه الأمة تتبع سنن من قبلها حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه: وجب أن يكون فيهم من يحرف الكلم عن مواضعه فيغير معنى الكتاب والسنة فيما أخبر الله به أو أمر به. وفيهم أميون لا يفقهون معاني الكتاب والسنة، بل ربما يظنون أن ما هم عليه من الأماني - التي هي مجرد التلاوة، ومعرفة ظاهر من القول - هو غاية الدين، ثم قد يناظرون المحرفين وغيرهم من المنافقين أو الكفار مع علم أولئك (المحرفين) بما لم يعلمه الأميون، فإما أن تضل الطائفتان ويصير كلام هؤلاء (الأميين) فتنة على أولئك (المحرفين) ؛ حيث يعتقدون أن ما يقوله الأميون هو غاية علم الدين ويصيرون في طرفي النقيض، وإما أن يتبع أولئك الأميون أولئك المحرفين في بعض ضلالهم. وهذا من بعض أسباب تغيير الملل، إلا أن هذا الدين محفوظ؛ كما قال تعالى ?إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ? (الحجر: 9) ، ولا تزال فيه طائفة قائمة ظاهرة على الحق، فلم ينله ما نال غيره من الأديان من تحريف كتبها وتغيير شرائعها مطلقًا، لِمَا يُنْطِقُ الله به القائمين بحجة الله وبيناته الذين يحيون بكتاب الله الموتى، وَيُبَصِّرُونَ بنوره أهل العمى؛ فإن الأرض لن تخلو من قائم لله بحجة، لكيلا تبطل حجج الله وبيناته"انتهى (1) .
(1) ابن تيمية"مجموع الفتاوى"، باب رسالة في الهلال، الجزء السادس، صفحة 68.