فهرس الكتاب
ولو نظرت في حال الأمة العربية في همجيتها أيام الجاهلية، ثم نظرت في حالها بعد الإسلام ماديًا وأدبيًا، لعرفت تلك المعجزة الكبرى التي أتى بها ذلك الرسول الأمي الذي ما قرأ كتابًا ولا خطه بيمينه.
ولعمري إنها لأكبر الآيات وأبهر المعجزات. وهذه المعجزات المعونة في نظر المتبصرين أكبر من المعجزات الحسية التي أفاضت فيها كتب السير وامتلأت بها أسفار المؤرخين.
كفاك بالعلم في الأمى معجزة . . . في الجاهلية والتأديب في اليتم
فإذا نظرت مع هذا إلى أن ما جاء به، - صلى الله عليه وسلم -، من التوحيد وأصول الدين قد شهدت به العقول السليمة والفطر الطاهرة، ووافقه عليه أربعة وعشرون ألفا ومائة نبي كلهم جاءوا بالتوحيد وإثبات الصانع - عز وجل -، وادعوا الوحي وأقاموا على ذلك البراهين، وهو عدد يحيل العقل تواطؤهم على الكذب، ثم نظرت في حالهم فوجدتهم على خلاف أهل الدنيا فلا يتنافسون ولا يتحاسدون ولا يتكاذبون، ولو كانوا في عصر واحد وصقع واحد كإبراهيم ولوط مثلًا. ثم انظر إلى من تعرف من المتزاحمين علاى الدنيا في الصغير والكبير حتى العلماء.
ثم ألفت نظرك بعد ذلك كله إلى زهده - صلى الله عليه وسلم -، في الدنيا ونعيمها، وعدم طلبه أجرًا على أعماله الشاقة، وما كان عليه من الشكائل الشريفة والأخلاق الكريمة، واستواء الشريف والوضيع