فهرس الكتاب
اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
ولعمر الإنصاف إن هذا المقام يجب أن تتكسر فيه الأقلام وتخرس فيه الألسن، فلن تطبق شرح نعمة واحدة من نعمه. وانظر إن شئت لنعمة الهواء التي يتوقف عليها وجود كل حي، إلى آخر ما يتفرع منها ويتشعب عنها.
وإن شئت فانظر إلى نعمة الضياء أو الماء وما أودعه في الأشياء من الكهرباء بباهر حكمته وعظيم تدبيره {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} .
وقد أحس بتلك العظمة المدهشة وذلك الإنعام الفائض على كل من في الوجود ذلك الرجل العظيم صاحب النفس المطلقة من القيود: الفيلسوف لينه الفزيولوجى الفرنسي الذي كان يدعوه وجدنه فيجيبه ويناجيه شعوره فلا يتغافل عنه، قال:"إن الله الأزلي الكبير العالم بكل شيء قد تجلى لي ببديع صنائعه حتى صرت مدهوشًا مبهوتًا، فأي قدرة وأي حكمة واي إبداع أودعه مصنوعات يده سواء في أصغر الأشياء أو أكبرها. إن المنافع التي نستمدها من هذه الكائنات نشهد بعظيم رحمة الله الذي سخرها لنا، كما أن جمالها وتناسقها ينبئ بواسع حكمته، وكذلك حفظها عن التلاشي وتجددها يقر بجلالته وعظمته."