فهرس الكتاب
ولنرجع إلى أصل الموضوع فنقول:
إذا كنت تحب نفسك وكمالها فأحب من أوجدها في أحسن تقويم وشق سمعها وبصرها، وأسبغ عليها نعمة ظاهرة وباطنة، ولم يقتصر كرمه على إفاضة الضروريات والحاجيات، بل أعطاك من الكماليات ما تتنوع له لذتك وتتم به بهجتك، فليس من الوفاء أن تعرض عنه وقد غمرتك نعماؤه، وأشرق عليك ضياؤه، وعذب لك ماؤه، ولطف هواؤه وأنعشتك بدائع أكوانه: من رياض غناء، وصحار فيحاء، وأثمار شهية، وألوان بهية، ونغمات شجية، ومناظر تطير بالقلوب إلى حضرة علام الغيوب: من شموس وأقمار، وأطيار وأزهار، وليل ونهار.
أما يجب أن تقول عند رؤية تلك الآيات المدهشات والدلائل الناطقات والنعم الفائضات، ما قال البدوي الذي لم تشغله المدنية وزخرفها عن أن يرجع إلى قلبه ويستمع من حديث لبه حيث يقول:
هاج للقلب من هواه ادكـ . . . ـال وليال خلالهن نهار
وجبال شوامخ راسيات . . . وعيون مياهن غزار
ونجوم تلوح في جنح ليل . . . مشرقات في كل يوم تدار
وشموس مضيئة للبرايا . . . في نهار وفي الدجى أقمار
ورياح تهب من كل فج . . . وبروق وراءها أمطار
إن شأن الإله شأن كبير . . . جل ربا وجلت الآثار
والذي قد ذكرت دل على . . . الله نفوسًا لها هدى واعتبار