فهرس الكتاب
ولذلك يصف القرآن من هذا حاله بالموت، لأنه أمات أفضل غريزة فيه، بل أمات خاصيته التي هو بها إنسان على الحقيقة، فيقول: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} .
وقد استولت عليك هذه المطالب الجسمانية حتى أنستك عالم البهجة والبهاء وصرت لا تعرفه ولا تحس به وإنه لموطن روحك ومحل أنسك، وليست الروح تحب هذه الملاذ الجسمانية إلا لأجل بدنها لا لأجل ذاتها، وأما مطلبها الذاتي وغذاؤها الأصلي فهو الأسرار والأنوار، ولكا طال بها العهد وهي في سجن الظلمات ومحل الآفات نسيت ما هي مستعدة له ومخلوقة لأجله، وهو في الحقيقة نسيان لنفسه {نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} فكأن لم يكن لها عهد بالصفاء ولا علاقة بعالم الجمال:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا . . . أنيس ولم يسمر بمكة سامر
أسأل الله أن يعيد لأرواحنا صحتها الأولى، ويخلصها من أمراضها التي اضعفت منها تلك الحاسة العليا، التي هي مناط لذتها الكبرة، وشرفها الأعلى، وخاصيتها الأولى، ويرزقنا محبة الله ومحبة الأنبياء الذين هم أطباء الأرواح وأساتذة النفوس بمنه وكرمه، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.
أما قوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ} فهو مبتدأ وخبر. وقيل: الصمد نعت والخبر ما بعده. وليس بشيء. والصمد في تفسيره عبارات