فهرس الكتاب
أن يكون قد وجد شيء في الوجود من الأزل، لأن كل ما له بداية يجب أن يكون ناتجًا من شيء تقدمه.
ومما لا ريب فيه أن كل كائن يكتسب وجوده من وجود غيره يستمد منه كل ما هو متمتع به من الخصائص والصفات. إذن فالينبوع الأزلي الذي تستمد منه جميع الكائنات يجب أن يكون هو أصل جميع قواها ووجودها، فهو إذن قادر على كل شيء، وغير ذلك فإن الإنسان يرى في نفسه قوة على العلم، فيجب أن يكون الأصل الأزلي الذي نتج منه الإنسان عالمًا، لأنه لا يعقل أن ذلك الأصل يكون مجردًا عن العلم وتنتج منه كائنات عاقله. ومما يناقض البداهة أن المادة المجردة من الحس تمتع نفسها بعقل لم يكن لها من قبل، فيجب بالبداهة أن يكون أصل الكون عاقلًا - بل لا حد لعقله وهو الله تعالى:
ولنقف هنا اليوم، ولننشد قول أمية بن الصلت، ذلك البدوي الذي لم تشغله المدنية وزخرفها عن أن يرجع إلى قلبه ويستمع من حديث فيه حيث يقول:
هاج للقلب من هواه إدكار . . . وليسال خلالهن نهار
وجبال شوامخ راسيات . . . وعيون مياههن غزار
ونجوم تلوح في جنح ليل . . . مشرقات في كل يوم تدار
وشموس مضيئة للبرايا . . . في نهار وفي الدجا أقمار
ورياح تهب من كل فج . . . وبروق وراءها أمطار
إن شأن الإله شأن كبير . . . جل ربَّا وجلت الآثار
والذي قد ذكرت دل على الله . . . نفوسًا لها هدى واعتبار