الصفحة 269 من 386

ذكرنا لك شيئًا من كلام الفلاسفة الأقدمين والمحدثين في الاستدلال على وجود الله تعالى، وقد رأينا أن نضرب معهم، بسهم في ذلك الموضوع الرفيع بأسلوب بديع، وقد وجدت من نفسي سائقًا قويًا لأعمال القريحة في ذلك واستخدام القلم فيما هنا لك، علمًا بأن ذلك مطلب الأرواح وهو المقصد الأسمى من بعثة الرسل عليهم السلام. وأي سورة أحق بهذا من سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن بنص الحديث الشريف. ولو كتبنا أسفارًا في بيان صمديته تعالى أو أحديته عز وجل لم نبلغ إلا أقل القليل من دلائل قدرته وآيات عظمته (سبحانك لا نحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) .

وبالجملة فقد جاءني هذا الإلهام القوي والذي لا يمكنني أن أخالف سلطانه، أو أدع بيانه، وهو فيما أعتقد أجل ما ينفع القراء ويبتهج به أهل الذكاء، فأقول متوخيًا طريقة القرآن من وضوح البيان واستثارة الوجدان، وبالله التوفيق:

1-إن نسبة الإلحاد إلى علم الطبيعة افتراء على علم الطبيعة، فإنه لا علاقة له بأوائل الأشياء ولا أواخرها، وليس في قدرته أن يعرف من أين جاءت ولا إلى أين تذهب، ولا ذلك من أبحاثه وأنه لينطق بعجزه عما وراء الطبيعة، ولكنه يقدس بأسراره البديعة، ذلك الفاعل المستتر بكنهه الظاهر بآثاره، الذي دق عن رؤية الأبصار وجل عن أن يقع تحت الحس، ولكنه معروف للعقول مرئي للبصائر فهو كالروح وجودها بدهي في الفطر ولكنها مجهولة عند إرادة التكاليف والتحديد لأنها تعلو عن ذلك بمقتضى طبعها بعد النورانيات عن الظلمانيات، فتنكرها عوالمك السفلية الكثيفة التي لا تعرف غير المحدود..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت