فهرس الكتاب
إن الوحدة وعدم التنازع والاختلاف يؤدي إلى قوة الأمة وقدرتها على مواجهة التحديات، وأما التنازع والاختلاف فقد شهد الواقع أنه يورث الفشل، ومن قبل الواقع شهد رب السماوات والأرض وقرر ناهيًا الأمة عن التنازع بقوله: { وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } (سورة الأنفال: 46) ، يقول قتادة:"لا تختلفوا فتجبنوا ويذهب نصركم" (1) .
لقد نهت الآية عن التنازع أي الاختلاف والشقاق، فإن الشقاق إذا دب في جماعة فرق أواصر المودة بين أفرادها، وزرع الأحقاد في نفوسها، وانشغلت بنفسها عن عدوها، ومن ثم كتب عليها الفشل في جهادها وجهودها لتحصيل مقصودها، فضعفت قوتها، وسقطت هيبتها، وزالت دولتها، والذي يبدو أن الذي يقضي على كيان الأمة ليس مجرد الاختلاف، وإنما هو الخلاف المبني على الهوى، وحب الظهور والاعتداد بالرأي، والتعصب له، إنها الأنانية التي تدعو صاحبها إلى التمادي بالباطل والغرور والصلف والتمرد (2) .
يقول سيد قطب:"فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه، وإلا حين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار. فإذا استسلم الناس لله ورسوله انتفى السبب الأول الرئيسي للنزاع بينهم - مهما اختلفت وجهات النظر في المسألة المعروضة- فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر، إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة يصر عليها مهما تبين له وجه الحق فيها" (3) .
(1) فتح القدير للشوكاني 2/316.
(2) انظر: تفسير سورة الأنفال، د. محمد أبو فارس، ص105-106، ط الأولى سنة 1406هـ-1986م، مكتبة الزرقاء، الأردن.
(3) في ظلال القرآن: 3/1528-1529.