ونقصد به الانغلاق الفكري في الدرجة الأولى، ذلك المرض الذي يصيب الفكر فيقضي به إلى التجميد أو إلى الذبول. ويأتي الانغلاق في الفكر نتيجة فقدان الإرادة القادرة على التفاعل مع الثقافات الأخرى، ونتيجة فقدان التميز بين ما يؤخذ منها وما يُترك، فيكون المهرب والملاذ هو إغلاق النوافذ جميعًا. وهذا الموقف ناتج عن سوء الظن بالآخرين، والذي بدوره يُنتج موقفًا قائمًا على العجز والتقصير والعدوانية، وهو موقف ينطلق من ثقافة خطأ (من ليس منا فهو من خصومنا) هذه الخصومة مدخل من أخطر مداخل الانحراف في فهم الإسلام والعمل باسمه (1) .
عاشرًا: تقديس التراث:
إن الآفة التي لحقت بكثير من فصائل الصحوة والحركات والتجمعات الإسلامية المعاصرة، فضلًا عن كثير من علماء الأمة ومتعلميها، هي آفة تقديس كل ما هو قديم، حتى صارت صفة القدم في حد ذاتها تُضفي على العمل قداسة تَحُول بينه وبين النقد والتحليل. وقد أصبحت التراكمات العلمية والفقهية والممارسات الحياتية عبر القرون السالفة تمثل تراثًا ضخمًا يختلط في أعين الناس بأصول الدين وقواعد الشرع، وبالتالي يمتنع على النقد والتدبر والتحليل، ناهياك عن الرفض والمعارضة
والإدانة (2) .
لابد للصحوة أن تفرق بين النص الخالد المقدس الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - والذي هو خارج دائرة التراث - وبين اجتهادات البشر في التعامل مع النص، حيث إنها فهومات، قد تتباين من حين لآخر ومن ثم لا تأخذ صفة القدسية.
(1) مجلة المسلم المعاصر العدد 42من مقال أمراض الصحوة الإسلامية، محي الدين عطية. وانظر: كتاب ثقافتنا بين الانفتاح والانغلاق، الدكتور يوسف القرضاوي.
(2) مجلة المسلم المعاصر، العدد 42من مقال لمحي الدين عطية (أمراض الصحوة الإسلامية) .