الصفحة 6 من 44

ومع هذا قدَّر الله تعالى أن يجعل من وراء هذه المصيبة خيرًا كثيرًا وهو الذي يقول: { وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } [البقرة: 216] ، ويقول: { فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } [النساء: 19] . والعرب يقولون:"رب ضارة نافعة". والصوفية يقولون:"كم من منحة في طي محنة".

ومن هذا الخير الذي جاءت به هذه الكارثة إيقاظ ضمير الأمة؛ لترجع إلى الله، وتقرع بابه، وتسأله التوبة، فلا يرد الناس إلى الله مثل الشدائد؛ فالإنسان تغره العافية والرخاء، فإذا تبدل رخاؤه إلى شدة، وعافيته إلى بلاء ذكر الله تعالى وأناب إليه، كما يفعل ركاب السفينة، إذا جاءتها ريح عاصف، وجاءها الموج من كل مكان، وظن ركابها أنهم أحيط بهم، هنالك يدعون الله مخلصين له الدين. فقد أحدثت النكبة يقظة دينية عامة، وتجلى أثر ذلك في المساجد وفي البيوت، وفي الجامعات، وفي الجيش، وفي غيرها.

وهكذا ولدت الصحوة الإسلامية ولادة طبيعية بلا قيصرية، ولا عملية جراحية، كما كان الحمل طبيعيًّا أيضًا، لم يحتج إلى أطفال أنابيب ولا غير ذلك. ومن هنا لا معنى للذين يزعمون أن الصحوة الإسلامية إنما نشأت بفعل فاعل، وصنع صانع، وأن الذي صنعها هو أحد الحكام الذي أرخى العنان للإسلاميين ليضرب بهم الشيوعيين (1) .

(1) انظر: القرضاوي، الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي ص28-29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت