فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 406

جَارِحَةً، فَيَدُلُّهُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ فِي حَالِ نَقْصِهِ وَأَوَانِ ضَعْفِهِ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ أَعْجَزُ، وَقَدْ يَرَى نَفْسَهُ شَابًّا ثُمَّ كَهْلًا ثُمَّ شَيْخًا، وَهُوَ لَمْ يَنْقُلْ نَفْسَهُ مِنْ حَالِ الشَّبَابِ وَالْقُوَّةِ إِلَى الشَّيْخُوخَةِ وَالْهَرَمِ، وَلَا اخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ وَلَا فِي وُسْعِهِ أَنْ يُزَايِلَ حَالَ الْمَشِيبِ وَيُرَاجِعَ قُوَّةَ الشَّبَابِ، فَيَعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ بِنَفْسِهِ، وَأَنَّ لَهُ صَانِعًا صَنَعَهُ، وَنَاقِلًا نَقَلَهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لِمْ تَتَبَدَّلْ أَحْوَالُهُ بِلَا نَاقِلٍ وَلَا مُدَبِّرٍ، ثُمَّ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى الْفِعْلُ الْمُحْكَمُ الْمُتْقَنُ وَلَا يُوجَدُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ مِمَّنْ لَا حَيَاةَ لَهُ، وَلَا عِلْمَ، وَلَا قُدْرَةَ، وَلَا إِرَادَةَ، وَلَا سَمْعَ، وَلَا بَصَرَ، وَلَا كَلَامَ. فَيَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ صَانِعَهُ حَيٌّ عَالِمٌ قَادِرٌ مُرِيدٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ مُتَكَلِّمٌ، ثُمَّ يَعْلَمُ اسْتِغْنَاءَ الْمصْنُوعِ بِصَانِعٍ وَاحِدٍ، وَعُلُوَّ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، أن لو كان معه آلهة، وَمَا يَدْخُلُ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْخَلْقِ أَنْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، فَيَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ كَمَا قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 91 - 92] ، وَقَالَ: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22] .

ثُمَّ يَعْلَمُ أَنَّ صَانِعَ الْعَالَمِ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْعَالَمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَشْبَهَ شيْئًا مِنَ الْمُحْدَثَاتِ بِجِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ لَأَشْبَهَهُ فِي الْحُدُوثِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الْقَدِيمُ مُحْدَثًا، أَوْ يَكُونَ قَدِيمًا مِنْ جِهَةٍ حَدِيثًا مِنْ جِهَةٍ؛ وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ يَفْعَلُ مِثْلَهُ، كَالشَّاتِمِ لَا يَكُونُ شَتْمًا وَقَدْ فَعَلَ الشَّتْمَ، وَالْكَاذِبُ لَا يَكُونُ كَذِبًا وَقَدْ فَعَلَ الْكَذِبَ؛ وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ شَيْئَانِ مِثْلَيْنِ يَفْعَلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُ الْمِثْلَيْنِ بِأَنْ يَفْعَلَ صَاحِبَهُ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ مَزِيَّةٌ يَسْتَحِقُّ لِأَجْلِهَا أَنْ يَكُونَ مُحْدِثًا لَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا حُكْمُ الْمِثْلَيْنِ فِيمَا تَمَاثَلَا فِيهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ مُشْبِهًا لِلْأَشْيَاءِ، فهُوَ كَمَا وَصَفَ نفْسَهُ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] ، وَقَالَ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1 - 4] .

حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَا: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ ابْنِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت