فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 406

وَأَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن محمد بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَدِيبُ، ثنا مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْهَيْثَمِ، ثنا الْأَصْمَعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ السَّمَّاكِ، يَقُولُ لِرَجُلٍ: تَبَارَكَ مَنْ خَلَقَكَ فَجَعَلَكَ تُبْصِرُ بِشَحْمٍ، وَتَسْمَعُ بِعَظْمٍ، وَتَتَكَلَّمُ بِلَحْمٍ.

قُلْنَا: ثُمَّ إِنَّا رأَيْنَا أَشْيَاءَ مُتَضَادَّةً مِنْ شَأَنِهَا التنَافُرُ وَالتَّبَايُنُ وَالتَّفَاسُدُ مَجْمُوعةً فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ وَأَبْدَانِ سَائِرِ الْحَيَوَانِ، وَهِيَ الْحَرَارَةُ وَالْبُرُودَةُ، وَالرُّطُوبَةُ وَالْيُبُوسَةُ، فَقُلْنَا: إِنَّ جَامِعًا جَمَعَهَا وَقَهَرَهَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ وَأَقَامَهَا بِلُطْفِهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَتَنَافَرَتْ وَلَتَفَاسَدَتْ، وَلَوْ جَازَ أَنْ تَجْتَمِعَ الْمُتَضَادَّاتُ، الْمُتَنَافِرَاتُ، وَتَتَقَاوَمَ مِنْ غَيْرِ جَامِعٍ يَجْمَعُهَا لَجَازَ أَنْ يَجْتَمِعَ الْمَاءُ وَالنَّارُ، وَيَتَقَاوَمَا مِنْ ذَاتِهِمَا مِنْ غَيْرِ جَامِعٍ يَجْمَعُهَما وَمُقِيمٍ يُقِيمُهَما، وَهَذَا مُحَالٌ لَا يُتَوَهَّمُ، فَثَبَتَ أَنَّ اجْتِمَاعَهَا إِنَّمَا كَانَ بِجَامِعٍ قَهَرَهَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ وَالِالْتِئَامِ وَهُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ.

وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ احْتَجَّ بِقَرِيبٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى حِينَ سَأَلَهُ الْمُرَيْسِيُّ عَنْ دَلَائِلِ التَّوْحِيدِ فِي مَجْلِسِ الرَّشِيدِ، وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِالْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَبَاختلَافِ الْأَصْوَاتِ.

قُلْنَا: وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ تَحَوُّلَ أَنْفُسِنَا مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ وَتَغَيُّرَهَا؛ لِيُسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى خَالِقِهَا وَمُحَوِّلِهَا، فَقَالَ: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} [نوح: 13 - 14] ، وَقَالَ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَانَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ} [المؤمنون: 12] .

فَالْإِنْسَانُ إِذَا فَكَّرَ فِي نَفْسِهِ رَآهَا مُدَبَّرَةً، وَعَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى مُصَرَّفَةً، كَانَ نُطْفَةً، ثُمَّ عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً، ثُمَّ لَحْمًا وَعَظْمًا، فَيَعْلَمُ أَنَّهُ لِمْ يَنْقِلْ نَفْسَهُ منْ حَالِ النَّقْصِ إِلَى حَالِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُحْدِثَ لِنَفْسِهِ فِي الْحَالِ الْأَفْضَلِ الَّتِي هِيَ حال كَمَالُ عَقْلِهِ وَبُلُوغُ أَشُدِّهِ عُضْوًا مِنَ الْأَعْضَاءِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَزِيدَ فِي جَوَارِحِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت