وقد يعتقد بعض البسطاء من الناس أن القوة المادية كفيلة بأن تدفع عن أصحابها كل مكروه، وتحسم لهم النصر والغلبة في الدنيا، لاسيما بعد أن توصل العقل البشري إلى أنواع من السلاح الفتاك، وسلاح الحماية والوقاية بما لا يدع مجالًا لخيال البشر أن يظن ظانٌّ بهزيمة من ملك هذه القوة والعدة المادية العظيمة، ولكن القرآن الكريم يقص علينا من أخبار الأمم السابقة ما يدحض هذه الأوهام، قال تعالى حكاية عن عاد، قوم هود عليه السلام: ?وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ? (1) ، والخطاب لأهل مكة، ويقصد منه أن الله مكن عادًا من قوة الأبدان وطول الأعمار وكثرة الأموال وأعطيناهم من الحواس ليستعملوها فيما ينفعهم في أمر الدين، فقد كانوا أشد من أهل مكة بطشًا وقوة، وأكثر منهم عددًا، وأموالًا، وأولادًا، فما استعملوها إلا في طلب الدنيا ولذاتها، فلما أنزل بهم العذاب ما أغنى ذلك عنهم شيئًا (2) ، وقد وصف الله تعالى قوة عاد بالعظيمة التي لم يوجد لها مثيل بين الأمم في عصرهم، وقال سبحانه: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ - إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ - الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ } (3) .
المطلب الثاني: وقفات مع الآيات الدالة على دور القوة الإيمانية:
(1) 1الأحقاف: 26
(2) انظر: لباب التأويل في معاني التنزيل - على بن محمد البغدادي الشهير بالخازن - م4ج6ص165، أضواء البيان - محمد الأمين الشنقيطي - ج7ص399
(3) الفجر: 6- 8