ووقف معاذ بن جبل فجعل يذكر الجيش فيقول:"يا أهل القرآن، ومستحفظي الكتاب، وأنصار الهدى والحق، إن رحمة الله لا تُنال، وجنته لا تُدخل بالاماني، ولا يُؤتِي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا للصادق المُصدِّق، ألم تسمعوا لقول الله عز وجل: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } (1) ، فاستحيوا رحمكم الله من ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم" (2) .
وهكذا كانت الأجواء التي أحاطت بجيش المسلمين تحفها النفحات الإيمانية والروح العالية، فما أن بدأت المعركة وانطلق المؤمنون يحصدون رقاب العدو، حتى تشتت جيش العدو وصارت الروم تدور كأنها الرحا، فلم تر في ذلك اليوم إلا مخا ساقطا، ومعصما نادرا، وكفا طائرة من ذلك الموطن، وقتل من جيش الروم قرابة المائة وعشرون ألفًا، واستشهد ألفٌ من المسلمين، واستمر القتال من صبيحة ذلك اليوم حتى بزع صبح جديد حسم فيه الأمر لجيش المسلمين (3) .
فحق لجيش يلقى العدو بهذه الروح العالية، وبهذه القوة الإيمانية الصادقة التي تهتز دونها الجبال أن يكتب الله له النصر والتمكين، وهو جيش جدير أن يفتح الله على يديه، وهذا ما كان ولله الحمد رب العالمين.
النموذج الثاني: معركة حطين: (4)
(1) النور: 55
(2) البداية والنهاية - ابن كثير - ج5ص238
(3) نفس المرجع
(4) حطين: مكان بين عكا وطبريا، يبعد عن طبريا قرابة الفرسخين. انظر: معجم البلدان - ياقوت الحموي - ج2ص315