الصفحة 4 من 49

اتجه مالك بن نبي في تحليله لمشكلات العالم الإسلامي، اتجاهًا فريدًا، فهو يرجئ المشكلات القائمة إلى قضية هامة وأساسية، استقاها من دراساته في علم الاجتماع، فقد رأى:"أن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها". (1) لذلك فإن حركة النهضة العربية كانت تسير ببطء ثم إنها لم تكن تتجه نحو إنشاء حضارة، أو على الأقل أنها لم تنظِّم اتجاهها نحو الحضارة لوجود عوامل تعطيل نفسية وفكرية أثّرت في اتجاهها تأثيرًا سلبيًا وأهمها:

عدم تشخيص غاية النهضة بصورة واضحة، فهي لم تتخذ من (الحضارة) غايةً لها.

عدم تشخيص المشكلات الاجتماعية تشخيصًا صحيحًا: حيث كنا نعالج مشكلات النهضة وضروراتها الداخلية والخارجية بعادات فكرية معينة وليس حسب طبيعة الأشياء، فنعالج المرض بنقيضه.

عدم تحديد الوسائل تحديدًا يناسب الغاية المنشودة والإمكانيات. (2)

ولإدراك المشكلة كما هي في ذهن مالك بن نبي، نأخذ تعريفه لـ (الحضارة) ، فهو يعرِّفها بأنها:"مجموعة الشروط المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يقدم جميع الضمانات الاجتماعية لكل فرد يعيش فيه". (3) فهل الفرد في العالم الإسلامي يتمتع بضماناته المادية والمعنوية؟ وما دام الجواب: لا، فإن الفرد في العالم الإسلامي اليوم لا يعيش في حضارة.

(1) المصدر نفسه، ص21؛ مالك بن بني، حديث في البناء الجديد، (بيروت: المكتبة العصرية، 1959) ، ص14.

(2) أنظر حديث في البناء، ص119-139، مالك بن بني، تأملات، (القاهرة: مطبعة طار العروبة، 1961) ، ص188-196.

(3) مالك بن بني، المسلم في عالم الاقتصاد، (بيروت دار الشروق، 1972) ، ص63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت