رأى مالك بن نبي فرْقًا بين الثقافة والعلم أو المعرفة، حيث الثقافة نظرية في السلوك أكثر من أن تكون نظرية في المعرفة، (1) وضرب للتدليل على ذلك مثلًا: أن سلوك فردين ينتميان لمجتمع واحد ومستوى علمي مختلف كطبيب وراعي انجليزيان، يتميز بتماثل معين في الرأي إزاء مشكلات الحياة مما يمثل (الثقافة الإنجليزية) ، بينما يختلف سلوك طبيبين من مجتمعين مختلفين، ومن هنا خرج مالك بن نبي بتصور لمفهوم الثقافة:"فالثقافة إذن ُتعرَّف بصورة عملية على أنها مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه، والثقافة على هذا هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته". (2) أو هي:"جو من ألوان وأنغام، وعادات وتقاليد، وأشكال وأوزان، وحركات تطبع على حياة الإنسان اتجاها وأسلوبًا خاصًا يقوي تصوره ويلهم عبقريته ويغذي طاقاته الخلاقة، وإنها الرباط العضوي بين الإنسان والإطار الذي يربطه". (3) أي بين الإنسان ومجتمعه، ومن هنا رأى أن"الثقافة ليست علمًا خاصًا لطبقة من الشعب دون أخرى، بل هي دستور تتطلبه الحياة العامة... وهي الجسر الذي يعبره المجتمع إلى الرقي والتمدن... والحاجز الذي يحفظ بعض أفراده من السقوط من فوق الجسر إلى الهاوية". (4)
بناءً على هذه التعريفات حدد مالك بن نبي مشكلة الثقافة في العالم الإسلامي ورآها أنها مشكلة ذات شقين:
فقدان المجتمع الإسلامي لشبكة الاتصالات الثقافية.
ضعف الطبقة المثقفة. (5)
فالأولى تعني تفريغ معنى الثقافة من محتواه الحقيقي، فتصبح ثقافة لا سلوكية. ولا يرتبط بها جميع أفراد المجتمع، والثانية تعنى قصور الطبقة المثقفة فتصبح طبقة متعالمة تدعي العلم ولا تتفاعل مع المجتمع، فهي طبقة ليست فعّالة.
(1) شروط النهضة، ص88.
(2) شروط النهضة، ص89.
(3) حديث في البناء الجديد، ص24-25.
(4) شروط النهضة، ص92-93.
(5) حديث في البناء الجديد، ص69.