لقد أصبح واضحًا أنه لا شخصية للفرد بدون مجتمع ولا مجتمع بدون ثقافة. (الخطيب، وآخرون، 1995: 144) ، فالثقافة هي الوسط الذي تنمو فيه شخصية الفرد وتشكل أفكاره ومعتقداته وخبراته ودوافعه وطرق تعبيره وانفعالاته، كما تحدد له المعايير التي يسترشد بها في سلوكه وتفرض عليه العادات والتقاليد التي يتمسك بها، وهذا ما يؤكده علماء الاجتماعي أن شخصية الفرد صورة للثقافة التي نشأ فيها، وتتم هذه العملية من خلال الأسرة والمدرسة ودور العبادة ووسائل الإعلام. (مرسي، 1972: 103-104)
وعلى الرغم من أن الشخصية نتاج ثقافي، إلا أن هذا النتاج ليس موحدًا مثل نتاج المصانع، وإنما هو نتاج حي يؤثر في الثقافة ويتأثر بها، لذا يصعب فهم شخصية ما ودوافعها وسلوكها وانحرافاتها وأمراضها بعيدًا عن الثقافة التي عاش في إطارها، وعليه يستطيع الإنسان ذاته يعدل من علاقاته وأفكاره وأعماله. (الخطيب وآخرون، 1995: 146)
إن امتلاك أفراد المجتمع لثقافة مشتركة أمرٌ حيوي لشعور أعضاء المجتمع بالوحدة وتسهيل سبل المعيشة والعمل المشترك، ويشير الغزالي إلى الدور الخطير للثقافة في حياة الأمة، ويُشبه أثر الثقافة في بناء الإنسان، بدور الطعام في بناء الأجسام، فكما أن بعض الأطعمة يورث من يتناوله صداعًا في الرأس واسترخاء في الأعضاء وانقباضًا عن الأعمال، فإن بعض ألوان المعرفة يترك في النفوس من التطير والخمول مثلما تتركه هذه الأغذية الرديئة في الأجسام. (خاطر ن 2001: 79)
ويؤكد بعد استقرائه للتأريخ أن الثقافة المشوهة هي التي كانت تقف وراء سقوط بغداد، والأندلس، واعتبرها عقبة كأداء في طريق التقدم، والثقافة المشوهة هي أعجز من أن تصنع أمة متحضرة. (خاطر، 2001: 80)
مما سبق يبرز ما للثقافة من فاعلية مباشرة في مجالي الارتقاء والانتكاس الحضاريين ليس في مجتمع معين فحسب وإنما في الأمة بأكملها، لذلك كان لزامًا على كل أمة أن تحافظ على ثقافتها من الانهزام.