وبيع الأدوية من أهم البيوع لعلاقته المباشرة بالنفس وعللها فمن يشتري دواء يعالج به مرضه، أو مرض أسرته غير من يشتري إناءًا أو نحوه فآثار الفساد في الأدوية أكثر خطرًا، وأعظم ضررًا من إناء غير صالح للاستعمال ونحو ذلك مما ضرره أقل، وفي هذا الفصل سنبين أن بيع الأدوية واجب شرعي كما سنبين مسئولية بيع الأدوية بدون الحصول على شهادة علمية ومسئولية بيعها بدون ترخيص ومسئولية بيعها بدون وصف طبي ·
المبحث الأول: بيع الأدوية واجب شرعي:
ناقش الفقهاء مسألة ما إذا كان التداوي واجبًا شرعيًا أم لا فذهبت طائفة إلى أن التداوي ليس بواجب ومن هؤلاء ابن تيمية (1) والنووي (2) ، وغيرهم واستدلوا على ذلك بفضل التوكل على الله وأن من يتوكل عليه فهو حسبه وكافيه كما قال تعالى: ومن يتوكل على الله فهو حسبه (3) ·
كما استدلوا على ذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءته امرأة تشكو إليه بأنها تتكشف بسبب إصابتها بمرض الصرع خيَّرَها بين الصبر ودخول الجنة وبين الدعاء لها فاختارت الصبر على المرض فلو كان التداوي واجبًا لما خَيَّرها رسول الله بين الأمرين ·
إن الإسلام دين سماوي جاءت أصوله وفروعه لهدي البشر وسلامتهم والحفاظ على أنفسهم، والحفاظ على النفس له أسباب، ومن هذه الأسباب التداوي من الأمراض والعلل سواء بالأدوية أو أنواع من الأغذية لها فعل الأدوية وخواصها، والوجوب الشرعي في التداوي بالأغذية مبني على ماورد في كتاب الله عن أنواع من النباتات والأغذية كالثوم والعدس والبصل وأنواع من الفواكه كالرمان والتمر وأنواع من المشتقات كالعسل واللبن فمثلًا بيَّن الله ما في التمر من الفوائد الصحية بقوله تعالى: ونخل طلعها هضيم (1) ، وبين ما في العسل من الدواء بقوله تعالى: يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس (2) ، وبين فوائد اللبن في قوله تعالى: لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين (3) ، وما ورد في كتاب الله تعالى من أنواع الأغذية والنباتات ما زال ولن يزال أساسًا لمنع الأمراض والعلل، وفي كل عصر يكتشف الإنسان فوائد هذه الأغذية والنباتات، ومازال يجهل الكثير من فوائدها وسيظل يتابع اكتشافه لهذه الفوائد جيلًا بعد جيل، وما الاكتشاف المعاصر لفوائد العسل والثوم والبصل والفواكه الواردة