الصفحة 145 من 513

فعن مالك بن الحويرث قال: أتينا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن شببة

متقاربون ، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة ، وكان رسول الله -صلى الله عليه

وسلم- رحيمًا رفيقًا ، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا سألَنا عمن تركْنا

بعدنا فأخبرناه ، قال:( ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم وذكر

أشياء أحفظها أو لا أحفظها وصلوا كما رأيتموني أصلي ، فإذا حضرت الصلاة

فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) [1] .

لكن حين يتطلب الأمر الحزم فإن الحال يختلف ؛ وقد كان -صلى الله عليه

وسلم- كذلك ، ففي موقف آخر يأتيه شاب من أصحابه شاكيًا له ما أصابه من

المشركين ، وقد بلغ به الأذى والشدة كل مبلغ وهو خباب بن الأرت فها هو يروي

الموقف فيقول: أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو محمر وجهه ، فقال:(لقد

كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ، ما يصرفه

ذلك عن دينه ، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ، ما يصرفه ذلك

عن دينه ، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما

يخاف إلا الله) [2] .

وها هو في موقف آخر أيضًا مع أحد الشباب ، فعن أسامة بن زيد بن حارثة

رضي الله عنهما قال: بعثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الحرقة من

جهينة ، قال: فصبحنا القوم فهزمناهم ، قال: ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا

منهم ، قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله ، قال: فكف عنه الأنصاري ، فطعنته

برمحي حتى قتلته ، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:

فقال لي: (يا أسامة ! أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ؟ ) قال: قلت: يا رسول الله ! إنما كان متعوّذًا ، قال: (أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ؟ ) قال: فما زال يكررها

عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم [3] .

لقد كان -صلى الله عليه وسلم- يضع لكل موقف ما يناسبه ؛ ففي الموقف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت