الصفحة 152 من 513

إن الذي يحول بيننا وبين رؤية الخيارات العديدة المغايرة لما نعتقده ونفضله

هو ما استقر في نفوسنا من الانحياز إلى مشاعرنا ومألوفاتنا وطرق تفكيرنا ، وهذا

الانحياز مصدر كبير من مصادر الحرمان من التجديد ، والحرمان من مشاركة

غيرنا في رؤية الأشياء على نحو أكثر رحابة .

2-النظرة المتعمقة:

إن العقل الذي وهبه الله جل وعلا لنا يتمتع بقدرات هائلة كما ذكرنا لكنه يظل

في النهاية محدودًا . وأكثر الأفكار التي نمتلكها هو وليد التجربة وثمرة المعاناة ، أي

هو خبرة حياتية متولدة من اشتباك منظومات المعارف والرموز والمبادئ إلى جانب

ألاعيب الهوى وأنماط السلطة وأشكال تحقيق المصلحة والاهتمام بالذات ... ولذا

فيجب ألا نعتبرها دائمًا نهائية ، فصدق الأفكار يظل مرتهنًا لما تسفر عنه نتائج

إنزالها إلى الميدان العملي الذي كثيرًا ما يفقدها تماسكها ويعيد إنتاجها من جديد على

وجه الإثراء والتوسيع ، أو على وجه الانتهاك والتأويل . وهذا يعني أن علينا ألا

ننتظر الفوز برؤية نهائية ، نسترشد بها في مواصلة البناء وتخطي العقبات ؛

فالأعمال العقلية المتزايدة ، لا تؤدي بالضرورة إلى تقدم عقلاني مطرد ؛ فالنكوص

والتراجع من الأمور الواردة بكثرة في هذا الميدان ؛ بل إن للتقدم العقلي مفرزات

جانبية شديدة الخطورة ، ولا سيما إذا ما تأتى للعقل أن يتحرر من القيود والقيم

الأخلاقية ؛ ثم إن المسيرة الحضارية لا تمضي على هدي أفكار ومخططات يتخيلها

مثقفون حالمون متفائلون بمستقبل البشرية على صعيد الفهم والعلم والحوار والرشد

والنمو الصحيح ، وإحقاق الحق ، وتجسيد القيم النبيلة ... فهناك أيضًا المصالح

والأهواء والشهوات والقصور الذاتي والظروف المعاكسة ... وكل ذلك يجعل من

ميادين الحياة مصانع سيئة لإنتاج الأفكار وتطبيقها . وهذا يعني أن علينا حتى

نستمر في التجديد العقلي أن نسعى دائمًا إلى تفحّص برامجنا وقراءة أحوالنا ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت