فهرس الكتاب
إن الذي يحول بيننا وبين رؤية الخيارات العديدة المغايرة لما نعتقده ونفضله
هو ما استقر في نفوسنا من الانحياز إلى مشاعرنا ومألوفاتنا وطرق تفكيرنا ، وهذا
الانحياز مصدر كبير من مصادر الحرمان من التجديد ، والحرمان من مشاركة
غيرنا في رؤية الأشياء على نحو أكثر رحابة .
2-النظرة المتعمقة:
إن العقل الذي وهبه الله جل وعلا لنا يتمتع بقدرات هائلة كما ذكرنا لكنه يظل
في النهاية محدودًا . وأكثر الأفكار التي نمتلكها هو وليد التجربة وثمرة المعاناة ، أي
هو خبرة حياتية متولدة من اشتباك منظومات المعارف والرموز والمبادئ إلى جانب
ألاعيب الهوى وأنماط السلطة وأشكال تحقيق المصلحة والاهتمام بالذات ... ولذا
فيجب ألا نعتبرها دائمًا نهائية ، فصدق الأفكار يظل مرتهنًا لما تسفر عنه نتائج
إنزالها إلى الميدان العملي الذي كثيرًا ما يفقدها تماسكها ويعيد إنتاجها من جديد على
وجه الإثراء والتوسيع ، أو على وجه الانتهاك والتأويل . وهذا يعني أن علينا ألا
ننتظر الفوز برؤية نهائية ، نسترشد بها في مواصلة البناء وتخطي العقبات ؛
فالأعمال العقلية المتزايدة ، لا تؤدي بالضرورة إلى تقدم عقلاني مطرد ؛ فالنكوص
والتراجع من الأمور الواردة بكثرة في هذا الميدان ؛ بل إن للتقدم العقلي مفرزات
جانبية شديدة الخطورة ، ولا سيما إذا ما تأتى للعقل أن يتحرر من القيود والقيم
الأخلاقية ؛ ثم إن المسيرة الحضارية لا تمضي على هدي أفكار ومخططات يتخيلها
مثقفون حالمون متفائلون بمستقبل البشرية على صعيد الفهم والعلم والحوار والرشد
والنمو الصحيح ، وإحقاق الحق ، وتجسيد القيم النبيلة ... فهناك أيضًا المصالح
والأهواء والشهوات والقصور الذاتي والظروف المعاكسة ... وكل ذلك يجعل من
ميادين الحياة مصانع سيئة لإنتاج الأفكار وتطبيقها . وهذا يعني أن علينا حتى
نستمر في التجديد العقلي أن نسعى دائمًا إلى تفحّص برامجنا وقراءة أحوالنا ،