الصفحة 182 من 513

للعاقل ألا يحكم بما يبدو إليه من استرحام الباكي المتظلّم وتشكّيه ، وشدة تلوّيه

وتقلّبه وبكائه) حتى قوله:(وهذا مكان ينبغي التثبت منه ، ومغالبة ميل النفس جملة ، ولا يميل المرء مع الصفة التي ذكرنا ولا عليها ، ولكن يقصد الإنصاف لما

يوجبها الحق على السواء).

يضيع من العمر قدر ما يضيع من الفرص:

ورديفُ التجارب في التكرار تتابعُ الفرص التي لا يمكن تعويضها ، ولربما

تفاوت حجم الفرصة وعظيم قدرها من زمن لآخر ومن مكان لآخر ؛ غير أن

الفرص جميعًا تشترك في كونها نادرة الوقوع ، وثمينة الأثر إذا أحسن صاحبها

الإفادة منها ، وكثيرًا ما أرشد ابن حزم رحمه الله إلى وجوب استغلال هذه الفرص

والحذر من تضييعها ، ويشير مرارًا إلى كثرة الفرص التي تضيع على أولئك

العظماء والقادة والدعاة ، وهو يؤكد لك باليقين أن (لكل شيء فائدة) ينبغي عدم

الذهول عنها ، ويضرب مثلًا عجيبًا يتعلق بنظرة المبدع والقائد لكل ما يحيط به ،

وكيف يمكنه تحويل الخسائر الظاهرة إلى فرص سانحة لا تُعوّض ، يقول رحمه الله:(لكل شيء فائدة ؛ ولقد انتفعتُ بمحك أهل الجهل منفعة عظيمة ، وهي أنه توقّدَ

طبْعي ، واحتدمَ خاطري ، وحمي فكري ، وتهيّج نشاطي ، فكان ذلك سببًا إلى

تواليف عظيمة المنفعة ، ولولا استثارتهم ساكني واقتداحهم كامني ما انبعثت تلك

التواليف).

نفسك غالية ... لا تبذلها إلا لله:

ومن فرائد هذه اللمحات عناية ابن حزم رحمه الله كغيره من علماء السلف

رحمهم الله جميعًا بتكوين الشخصية الإسلامية الفريدة عبر إذكاء روح العزة والثقة

بالله ، وعدم الرضا بإذلال النفس أو بذلها في الحقير من الأعمال والفنون والمقاصد، وبعث الهمة إلى معالي الأمور وعظيمها ؛ تزهيدًا بالسفاسف والترهات التي تقتل

المواهب وتئد الطاقات والهمم ، ولذا فأنت تجد أن إذكاء شعور العزة في النفس ،

والثقة بعد الله بالطاقات والمواهب والملكات ، وحسن التدبير وغيرها من الصفات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت