ودليل ذلك ما ورد عند أبي داود [2403] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ إِذَا مَرِضَ الرَّجُلُ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَصُمْ أُطْعِمَ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ قَضَى عَنْهُ وَلِيُّهُ.
والمد هو: قدر ما يملأ الإنسان معتدل الخلقة كفيه. ويطعم عنه من تركته التي تركها.
وقد وردت أحاديث عامة تفيد جواز صيام الولي وأهل الميت عنه , وسقوط ذلك عنه؛ مثل ما ورد عند البخاري [1988] ومسلم [2748] من حديث عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ".
وما ورد عند البخاري [1989] ومسلم [2749] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، - رضي الله عنهما - أَنَّ امْرَأَةً، أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ. فَقَالَ"أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتِ تَقْضِينَهُ". قَالَتْ نَعَمْ. قَالَ"فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ".
ولا تعارض بينها وإن كان من أهل العلم من قصرها على صيام النذر؛ لكن الذي يظهر أنه يشمل صيام الواجب عموما.
قال"إن فرط"
ويفهم من هذا أنه إن لم يفرط فإنه لا يطعم عنه؛ لوجود العذر والمانع الشرعي لصيامه.
ثم قال رحمه الله"ولو عبر رمضان آخر قبل صومه لغير عذر قضى وأطعم .."
انتقل المصنف رحمه الله من الميت إلى من كان على قيد الحياة , وفرط في القضاء حتى أتى عليه شهر رمضان التالي ولم يقض ما عليه؛ فقال في هذه الحالة"قضى وأطعم"أي عليه القضاء والإطعام.
ويفهم منه أنه إن لم يفرط فليس عليه إلا القضاء.
ثم قال رحمه الله"ومن مات وقد نذر صوما, أو حجا, أو اعتكافا فعله عنه وليه .."
انتقل رحمه الله بعد أن ذكر الواجبات في أصل الشرع إلى ما أوجبه الإنسان على نفسه من غير ملزم له من الشرع قبل ذلك , فقال
"ومن مات ونذر صوما"
أي من نذر أن يصوم لله صومًا , ومات قبل الوفاء به فما الحكم؟
قال المصنف رحمه الله"فعله عنه وليه"
أي يصوم عنه وَلِيُّه استحبابًا لا وجوبًا؛ مثلُ الدَّين إذا كان على الميت , فإنه لا يلزم الولي سداده؛ لكن يستحب له من باب البر والصلة.
والولي هو من يرث بالدرجة الأولى , ويجوز أن يكون غيرهم من القرابة ونحوهم.
ودليل قضاء الصوم حديث عائشة رضي الله عنها السابق.
وكذا من نذر حجًا فإنه يفعله عنه وليه , ودليل ذلك ما ورد عند البخاري [1883] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ أَنَّ امْرَأَةً، مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ"نَعَمْ. حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ".
قال"أو اعتكافًا"
أي من نذر أن يعتكف فمات اعتكف عنه وليه؛ هذا رأي المصنف رحمه الله ويُستدل له بعموم الأحاديث السابقة , ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما كما عند البخاري [6781] أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الأَنْصَارِيَّ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ. فَأَفْتَاهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا، فَكَانَتْ سُنَّةً بَعْدُ.
* ووجه الاستشهاد أن النبي صلى الله عليه وسلم أَذِنَ له بالقضاء من دون أن يستفصل منه ما هو النذر؟
وقال بعض العلماء أنه لا يعتكف لعدم ورود الأمر بذلك.
قال المصنف رحمه الله"باب صوم التطوع"
أي هذا باب يذكر فيه أحكام صوم التطوع.
والتطوع هو: التبرع.
وفي الشرع صوم التطوع هو: ما لم يكن واجبا بأصل الشرع وكان مشروعًا كالسنن والنوافل.
وفعل التطوع أمر مندوب؛ استحبه الشارع وحثَّ عليه ففي الحديث القدسي كما عند البخاري [6581] من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَال: َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَىْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ".