فهرس الكتاب
إنه من الوضوح بمكان أن كلًا من الزهرى والشبلى يمتحان من ينبوع واحد هو سحر الطبيعة ويصبان كذلك في بستان واحد هو بستان الغزل، الأمر الذى تطلب من كل منهما ألفاظا كأنها الديباج نعومة وحسنا، وخيالا مجنحا كرفرفات الفراشات في أحواض الزهور. ومن الفقهاء الشعراء الذين بلغوا درجة الإمامة محمد بن داود الظاهرى وكان على مذهب الظاهرية، وهو مذهب أبيه داود الظاهرى، وكان محمد ـ و كنيته أبو بكر ـ متمكنا في علمه، متفجرا في حواره، رفيعا في أدبه حتى إن صلاح الدين الصفدى لقبه بالإمام ابن الإمام، ووصفه بأنه من أذكياء العالم. ومؤلفات محمد كثيرة يجىء في مقدمتها كتاب"الزهرة"و"الوصول إلى معرفة الأصول"و"اختلاف مسائل الصحابة"وتوفى سنة 297 إن كتاب"الزهرة"وهو في الأدب يدلنا على مكانة رفيعة تبوأها محمد بن داود في الأدب والتعلق به والإحاطة بفنونه وبخاصة الشعر، وكان لمحمد مجلس علم وأدب يؤمه العلماء والأدباء والشعراء، وقد وفد على مجلسه ذات يوم الشاعر المبدع ابن الرومى وقدم إليه رقعة من الورق، فأخذ يقلبها ظنا منه أنها مسألة يراد الإجابة عن محتواها، ثم لم يلبث أن كتب الإجابة على ظهرها. أما الرسالة فكانت بيتين من الشعر قال فيهما ابن الرومى: يا بن داودَ فقيه العراق أفْتنا في قواتلِ الأحداق هل عليهن في الجراح قِصاصٌ أم مباحٌ لها دمُ العشاقِ وأما جواب الرسالة فكان هذين البيتين على نفس البحر والقافية والروى: كيف يفتيكمُ قتيلٌ صريحٌ بسهامِ الفراق والاشتياقِ وقتيلُ التلاقى أحسن حالا عندَ داودَ من قتيل الفراقِ وأما نفثات فؤاده في الغزل فهى مما ينظمه في سلك شعراء الغزل المشهورين، فمن ذلك قوله: ص _029