فهرس الكتاب
ألم نقل إنه غزل خفر حيى عفيف، زخرفته كثير من فنون البديع التى لا يكاد يحسها إلا من يرقبها عن عمد، لأن رقة الشعر وعمقه وانسرابه إلى قلب القارئ حجب ألوان البديع الذى وشح الشاعر الفقيه بها أبياته. أما ونحن في الأفق الأندلسى نذكر علماءه الفقهاء الشعراء متمثلين لاثنين من أعلامه هما ابن حزم وأبو الوليد الباجى، وكان من الميسور أن نذكر عشرات من العلماء الشعراء لولا ضيق المناسبة، فقد بات من اللائق أن نعبر المضيق جنوبا إلى المغرب حيث نطل على أوحد علمائه ونجم سمائه القاضى عياض اليحصبى، وإن كان من الجدير بالذكر أن نشير إلى أن عياضا لم يكن غريبا عن الأندلس، ففى قرطبة الغراء اغترف علمه وخالط رجاله وجلس إلى علمائه، فهو والأمر كذلك ثمرة غرس القطرين، وحصاد زرع الأفقين، أفق المغرب وأفق الأندلس، فهو العالم القاضى الفقيه المحدث الأصولى الراوية، صاحب كتاب"الشفا بتعريف حقوق المصطفى"وهو من أجل كتب السيرة، وكتاب"ترتيب المدارك"فى الترجمة لأعيان مذهب الإمام مالك، وكتاب"مشارق الأنوار"فى حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وكتاب"الإلماع إلى معرفة أصول الرؤية وتقييد السماع"فى مصطلح الحديث، وكتاب"الغُنية"فى ذكر شيوخه وغير ذلك كثير، والقاضى عياض بالإضافة إلى ذلك كله شاعر مبدع، وفارس مغوار، وسياسى حاذق، وبين صفاته وشمائله وعلمه وسلوكه وكفاحه ما يجعله وشيخنا محمدا الغزالى فارسين من فرسان الإسلام، للتقارب الغريب بينهما فيما ذكرناه للقاضى من صفات على الرغم من بعد الشقة الزمنية ونأى المسافة المكانية. إن للقاضى عياض شعرا كثيرا جميلا، أتينا بشىء منه في كتابنا"المغرب والأندلس"ولكن قوله في الغزل قليل ونادر، وهو على الرغم من قلته وندرته، يصدر عن قلب خافق وصدر محرور، ومن نماذج غزله هذان البيتان الرقيقان: رأت قمر السماء فأذكرتنى ليالى وصلها بالرَّقْمتيْنِ كلانا ناظرٌ قمرا ولكن رأيتُ