فهرس الكتاب
جميع شعره وهو في مرحلة الشباب، ولكن الذين عرفوا الشيخ الغزالى في مراحل حياته المتتابعة ـ وأنا واحد من هؤلاء ـ لم يعرفوا عنه إلا العفة في القول والتصون في الفعل والاستعلاء في السلوك، مع أن الشيخ لو قال شيئا في الغزل فإن أحدا لا يؤاخذه لأن كبار المتصوفة أمثال الجنيد والسقطى والشبلى وابن العريف وغيرهم قد جعلوا من صيغة الغزل معبرا إلى ترديد الحب الصوفى والعشق الإلهى. ولكن الشيخ الغزالى أبى أن يتغزل في شعره حتى ولو فعل ذلك رجال أحبهم وتعلق قلبه بهم، وهم معتدلو المتصوفة، وإن كان رسم على منوالهم في ذكر الخمر على ما سوف نبين في الصفحات المقبلة إن شاء الله. يذكر الجنيد فيما يرون من أخبار السرى السقطى المتوفى سنة 251 هـ أنه ـ أى السقطى ـ كان كثيرا ما ينشد هذه الأبيات: ولما ادعيتُ الحبَّ قالتْ كذبتنى فما لى أرى الأعضاء منكَ كواسيا فما الحب حتى يلصق الجلد بالحشا وتذبُل حتى لا تجيب المناديا وتنحل حتى لا يُبقِّى لكَ الهوى سوى مقلةٍ تبكى بها أو تُناجيا إننا غير واثقين من أن يكون السقطى القطب الصوفى الكبير هو صاحب الأبيات، لأن الجنيد ذكر أنه كان يرددها ولم يقل إنه صاحبها، ولكن سواء أكانت الأبيات له أم لغيره فقد كان القطب الكبير معجبا بها، مرددا لها بصورتها الغزلية الواضحة المعالم التى يحسها كل قارئ لها. وتتفجر عاطفة الحب الإلهى في أبيات أنشأها القطب الصوفى أبو الحسين النورى وبعث بها إلى صديقه أبى سعيد الخراز يقول فيها: لعمرى ما استودعتُ سرى وسرَّه سوانا حذارًا أن تشيع السرائرُ ولا لاحَظَتهُ مُقلتاى بنظرةٍ فتشهد نجوانا القلوبُ النواظرُ ولكن جعلت الوهم بينى وبينه رسولا فأدَّى ما تُكنُّ الضمائرُ ص _035
بل إن الجنيد نفسه ـ المتوفى سنة 297 ـ كان يردد في مجالسه ما كانت تجيش به نفسه وتسعفه به ملكته من قصائد الغزل في الحب الإلهى، وقد سأله رجل ذات مرة مسألة بعينها فأنشد قائلا: