الصفحة 32 من 100

تلك أبيات قيلت في مطلق الغزل بدون تعيين مسمى أو تحديد معشوق، وإنما هى أقوال صرفها قائلوها من الصوفية الكبار إلى العشق الإلهى والحب القدسى. على أن أحضر المتصوفة اتخذوا من"ليلى"رمزا لحبهما ودليلا على عشقهم، وقد جعلوا من ليلى العامرية صاحبة قيس بن الملوح إمام العذريين مفتاحا لرمزهم، واتخذوا من قيس وأشعاره وسيلة للتعبير عن مشاعر الوجد وبواعث الحب. صحيح أن بعض الشعراء المتصوفة لم يقتصروا على ذكر"ليلى"وحدها، وإنما ذكروا معها أسماء أخرى مثل سلمى ولبنى وسعدى، ولكن غالبية المتصوفة ابتداء من القرن الثانى والثالث ممثلين في أبى بكر الشبلى مرورا بالقرون المتواكبة ووصولا إلى القرن الثانى عشر الهجرى وما بعده ممثلا في عبد الغنى النابلسى المتوفى سنة 1143 من الهجرة قد التزموا بذكر"ليلى"وجعلوا منها رمزا لعشقهم، فهذا أبو بكر الشبلى يقول: لقد فُضِّلتْ"ليلى"على الناس كالتى على ألف شهر فُضِّلتْ ليلةُ القدر فيا حبها زدني جوى كل ليلة ويا سلوة الأيام موعدك الحشر ولعلنا نلاحظ بلاغة الرمز بليلى وعمق مدلول مقصوده، على الرغم من الإقواء في روى البيت الثانى. وهذا أبو مدين التلمسانى من كبار متصوفة المغرب في القرن السادس الهجرى والمتوفى سنة 594 ينشئ قصيدة نونية القافية غامرة بالحنين مترعة بالإيقاع الموسيقى يقول في بعضها: تَقَوَّل ناسُ قد تملكه الهوى أجلْ لستُ في ليلى بأولِ من جُنَّا خفيتُ بها عن كل ما علم الورى وأظهرُ لُبنى والمرادُ سوى لُبنى وإنى كما شاء الغرامُ موحِّدٌ وإن مِلتُ تمويهًا إلى الروضة الغنَّا يذكرنى مرُّ النسيم .. بعرفها ويطربنى الحادى إذا باسمها غنّى ولا عجبٌ منى الحنينُ وذو الهوى إذا شاقه شوقٌ إلى قصده حنا ص _037

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت