فهرس الكتاب
الشيخ الغزالى متصوفا: كان ذلك جانبا من جوانب الحياة في فجرها مع الشيخ الغزالى، وهو كما رأينا له بالحياة صلة بل صلات: جهاد وكفاح، وكرامة وإباء، ومحبة وإقبال وتغن وشدو، وانبساط وابتسام، الأمر الذى يظن معه أن نمط الحياة كاملا هو ذلك الذى أوضحنا وضربنا له الأمثلة بنماذج من شعره. غير أن الأمر ليس كذلك تماما، أو بمعنى آخر لم يكن ذلك هو الجانب الغالب في حياة الشيخ، سواء في المرحلة الباكرة التى كتب فيها هذه القصائد أو بعدها في بقية مسيرة عمره، وإنما كان الشيخ موصول الأسباب بالأحوال الصوفية، ونهج مناهج شعراء الصوفية في اتخاذ الخمرة رمزا للحب الإلهى من خلال نشوتها. صحيح أن الصوفية عمدوا إلى اتخاذ رمزين من موضوعات الشعر عبروا من خلالهما عن أشواقهما ووجدهما، هما الغزل والخمر، وقد أثبتنا في الصفحات الماضيات نماذج من الغزل الصوفى، وقلنا إن شيخنا الغزالى نزه نفسه عن كتابة الغزل، ونأى بقلمه عن اتخاذه ـ أى الغزل ـ نهجا صوفيا وطريق حب إلهى، ولكنه شارك المتصوفة في خمرياتهم التى من خلال نشوتها حاولوا الزلفى والتعبير عن الحب الإلهى. كان سبيل المتصوفة في اتخاذ الخمرة رمزا، أمرا يدعوا لتوقف غير المريدين، وتعجب غير"أبناء الطريق"فالقشيرى الصوفى الشهير صاحب كتاب"الرسالة"فى التصوف يذكر أن يحيى بن معاذ الرازى كتب إلى أبى يزيد البسطامى ـ وكلاهما من أقطاب المتصوفة في القرن الثالث الهجرى ـ:"ههنا مَن شرب كأسًا من المحبة لم يظمأ بعدها"فيجيبه البسطامى في كلمات قصيرة:"عجبت من ضعف حالك، ههنا مَن يحتسى بحار الكون وهو فاغر فاه يتزيَّد". ص _050