الصفحة 45 من 100

ومن الشعر المبكر الذى قاله بعض المتصوفة في هذا المقام قول بعضهم: عجبتُ لمن يقول ذكرتُ ربى فهل أنسى فأذكرُ ما نسيتُ شربت الحبّ كأسًا بعد كأسٍ فما نفدَ الشراب ولا رويتُ ولعلنا حتى الآن لم نسمع لفظ الخمر، ولكن سمعنا مصطلح"كأس المحبة"عند يحيى بن معاذ وعند الشاعر الذى لم نعثر على اسمه، والاحتساء من بحار الكون عند البسطامى. ولكن بمرور الأزمنة وتتابع الحقب يظهر الكأس صارخا، وتظهر الخمر صرفا في شعر المتصوفة، ظهورا قد يفوق نظيره عند شعراء الخمر المشهورين، فهذا أبو مدين التلمسانى المتصوف الذى عاش القرن السادس الهجرى (المتوفى 594) يقول متخذا من الخمر رمزا صوفيا: أدِرْها لنا صرفا ودعْ مَزجَها عنَّا فنحن أناس لا نرى المزجَ مُذ كنَّا وغنِّ لنا فالوقتُ قد طاب باسْمِها لأنَّا إليها قد رحلنا بها عنَّا عرفنا بها كلَّ الوجودِ ولم نزلْ إلى أن بها كلَّ المعارف أنكرنا هى الخمرُ لم تُعْرفْ بكرمٍ يخصُّها ولم يجلها راحٌ ولم تعرف الدَّنَّا مشعشعةٌ يكسُو الوجوهَ جمالُها وفى كل شىء من لطافتها مَعْنى حضرنا فغبنا عند دورِ كئوسها وعدنا كأنَّا لا حضرنا ولا غِبنا وأبدت لنا في كل شئ إشارةً وما احْتجَبَتْ إلَّا بأنفسنا عنَّا ولم تُطق الأفهام تعبير كُنهها ولكنها لاذت بألطافها الحسنى ص _051

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت