الصفحة 46 من 100

ولقد أغرم سلطان العاشقين عمر بن الفارض بالخمرة رمزا، وبالكأس والدنان وسيلة وطريقا، فأكثر من القول في ذلك، وأضفى عليها صنوفا من القداسة وفنونا من النزاهة، وألوانا من الأزلية، ولعل ميميته المشهورة شاهد عدل على هذا المذهب. يقول عمر: شربنا على ذكر الحبيب مدامة سكرنا بها من قبل أن يُخلق الكرم لها البدر كأس وهى شمس يديرها هلال وكم يبدو إذا مُزجت نجم ولولا شذاها ما اهتديت لحانها ولولا سناها ما تصوَّرها الوهم ولم يُبقِ منها الدهر غير حشاشةٍ كأن خفاها في صدورِ النُّهى كتمُ ويغلو عمر بن الفارض في خلع صفات التمجيد على خمرته التى تسكر أبناء الحى دون أن يقترفوا إثما، أو أن يرتكبوا جرما، أو يصيبهم عار فيقول: فإن ذُكرت في الحى أصبح أهلُه نشاوَى ولا عار عليهم ولا إثم ومن بين أحشاءِ الدنان تصاعدتْ ولم يبق منها في الحقيقة إلَّا اسمُ ويزداد ابن الفارض غلوًّا في خلع أصناف من المحاسن على الخمر، بحيث تتشكل منها معجزات طبية وأخلاقية وروحانية لعله غير مسبوق في ابتكار هذه الشمائل التى خلعها على خمرته، التى لا شك أنها ليست كخمر القصَّاف العابثين ولكنها خمر العشاق العابدين. يقول ابن الفارض: ولو عبقت في الشرق أنفاس طِيبها وفى الغرب مزكومٌ لعاد له الشمُّ ولو خضِّبت من كأسها كفُّ لامسٍ لما ضلَّ في ليلٍ وفى يده النجمُ ولو جُليتْ سرًّا على أكمهٍ غدا بصيرا ومن راووقها تسمعُ الصُّمُّ ولو أن ركْبًا يمَّموا تُربَ أرضها وفى الركب ملسُوعٌ لما ضرَّه السمُّ ولو رسم الراقي حروف اسمها على جبين مصابٍ جُنّ أبراهُ الرسمُ ص _052

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت