الصفحة 51 من 100

وفى قصيدة"الخمرة الإلهية"الثالثة يتحول الشاب محمد الغزالى الذى لم يكن قد بلغ العشرين من عمره المبارك المعطاء إلى حالة من الوجد الصوفى شبه الكامل، أقول شبه الكامل لأنه ظل ممسكا بحبل الوسطية الصوفية، لم يغْلُ في معنى، ولم يتطرف في تعبير، وإنما هو بالقدر الذى يعبّ فيه من خمر نشوة الروح، بقدر ما تنكشف له أسرار للكون كانت خافية عليه، منيعة في الوصول إليها، ولا ينسى الشاعر أن يقتبس من البلاغة القرآنية في البيت الأخير من هذه الفقرة حين شبه بهجة النشوان بالسراب في القيعة مهتديا بقوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء) يقول الشاعر الشاب الصوفى محمد الغزالى: كلما زدتُ احتساء زادنى طيبُ رياها نفاسات وديعهْ وحبتنى كشف أسرارٍ لدى خافيات الكون تلقاها منيعهْ جرعةُ الإلهام والقرب وما في جلال الله من حُسنى بديعهْ وشعاعُ الهدْىِ في الأكواب ومن خامرته ومضة اللمح سريعهْ اغْتدَى نشوانَ لا يلوى على بهجةٍ كالآلِ وضَّاحًا بقيعهْ ويبلغ الشيخ الغزالى المتصوف غاية الإبداع في قصيدته الرابعة"الخمرة الإلهية"وقد تحدى - بغير قصد منه - شعراء المتصوفة الخمريين معنى ومبنى، وحسا وجرسا، وفناء ووجدا، وتحريرا وتعبيرا، لالتزامه بالوسطية الصوفية وانصرافه عن"العربدة"والغلو حين يقول: جَنَى المخمورُ ما يبغى شهيا جناهُ من طِلا الرحمنِ كأسا جِوارٌ حف عليها كل شىء فمن يسمو إليه طاب نفسا ص _057

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت