فهرس الكتاب
وإذا كان المرء يناجى ربه في الصلاة، فإن الشيخ الغزالى يضيف إلى مناجاة خالقه في الصلاة، مناجاة الصلاة نفسها، لأن الصلاة هى التى أوصلته إلى مناجاة خالقه، ففى الصلاة تكبير وقرآن ودعاء وركوع وسجود، وليس في متع العبادات ما هو أجمل من السجود لله ومناجاته فيها وتوحيده بعدها، إنه لا يحس بتلك المتعة الربانية إلا من مارس الصلاة وعقلها، وقد كان الشيخ الغزالى من هذا الفريق الذى يمتع قلبه وعقله وخاطره بالصلاة وأركانها ومفرداتها، ولذلك نراه يناجى حملاته على هذا النحو النورانى فيقول: واصلاتى حينما يرفعْنَنِى من حدودٍ للحياةِ الظاهرهْ واصلاتى بكنوزِ النورِ أنْ يقطعَ الجسمُ الأثيمُ الآصرهْ * * * مذْكِراتى أبدًا بالصحو إنْ غام أفْقى فتعالتْ باهرهْ كالحصاناتِ تقينى سوء ما يبتغينى من دنايا قاسرهْ.. ويطرق شاعرنا موضوعا يجمع بين الجد والطرافة، وبين الدين والأخلاق، إنه الدين والفضيلة، أو"الفضيلة والدين"طبقا لترتيب الشاعر نفسه في تقديم لفظ الفضيلة على لفظ الدين، ومن المعروف أن الدين يدعو إلى الفضائل، والفضائل ثمرة من ثمار الدين، وبغير ممارسة الفضائل لا يكون التديُّن كاملا. إن هذا المعنى هو الذى قصد إليه الشيخ الغزالى في أبياته التى تحمل عنوان"الفضيلة والدين"وإن كان قد صاغها في قالب تحليلى تطبيقى وإطار توجيهى نفسى. إن شيخنا الشاب يسوغ الرابطة بين الفضيلة والدين على هذا النحو: لم يكُ الدينُ عصمتى في عزوفى عن حقير من الأمورِ مُعافِ إن داعى الفضائل نفسٌ هو فيها الطلابُ حتى توافى ليس إيحاؤه الكمالَ بعلمٍ لجهول به يريدُ الشافى هى نفسى الحادى الذى أرتضيه وبنفسى الوِرْدُ الجميل الصافى ص _059