الصفحة 57 من 100

أنت يا كون بالغموض محوط في جميع الأنحاء أسداف غيب سرمدى النقاب لا كُنه بادٍ من طواياك للوضـ،وح ملبَّى أين علْم الإنسان؟ لم يجِز الأر ض قصورا بل في عناء المكبِّ تلكمُ الذرةُ الضئيلة في الكو ن فسيحًا نورٌ بأعماء لجب خفى الأمسُ أمسُ بدءِ وجودٍ مخرسُ السرّ شامل الصمت صعب والغدُ المنتحى قصىّ انتهاءٍ للختامِ المرقوب في كل حجب وكان الشيخ الغزالى يعيش في النور حياته، وينأى بها أن تكون في ظلام، سواء أكان النور حسيا أم معنويا، وسواء أكان الظلام ملموسا أم متصورا، كان رحمه الله يحب النور في مختلف صوره: نور الإيمان، نور الحقيقة، نور البصيرة، نور العدالة حتى نور المصباح ونور الشمعة، ومن ثم فقد عبر عن ضميره أوضح تعبير حين خاطب"نور الحقيقة"بهذه الأبيات، مستمسكا به متشبثا بضيائه إلا في حالة واحدة ذكرها في بيته الأخير: أيها النور أنت تلقى و ضوحا لأناس عاشوا بأبشع سر لا يُطيقون في الحقيقة عيشا فضياء الحقيقة الغمر يزرى حشرات في نورها الحق تفنى مثل قتل الشعاع كل مضر ولهذا، الظلام خير من النور إذا كنتَ لا ترى وجه حر ومن أكثر القصائد أو المقطوعات التى تجمع بين الطرافة والحكمة، وبين النظرة الواضحة والتأمل العميق، موضوع الشيخوخة، ولعل مبعث الطرافة في ذلك هو أن الشيخ الغزالى يتناول هذا الموضوع وهو في أواخر العقد الثانى من عمره؟ أى لم يكن قد بلغ سن العشرين بعد، فكأنه تقمص شخصية شيخ يعيش التجربة بكل أبعادها، يكابد متاعبها ويشقى بأثقالها فيقول: ص _063

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت