فهرس الكتاب
هكذا بكى الشيخ الكبير مصدر الإشفاق ومنبع الشجن ودليل ذلك مسيل الدمع الذى خط أحزانا في قسمات وجنتيه، ويرمى الشجن بثقله على الشاب محمد الغزالى لأنه من أقرب ذوى الأرحام إليه، فيتمنى أن يتوقف الدمع ويكف الشيخ عن البكاء، وفى ذلك يقول شاعرنا الشاب راجيا بل متمنيا: ألا ليت هذا الشيخ لم يبك إننى أحس لهيبا في فؤادى من النكر خصاد سنين قوّضت جل عمره شقاء معنّى أعقب الوصل بالهجر أراه وقد حانت لتمزيق عمره قواطعُ تُدنيه سريعا من القبر أهاب به عجز فلم يستطع ونى كغير رضوخ الضعف نأيا عن النصر وحالت حياة النور في نفسه دجى يزهده فيها زهادة مضطر ومن أعمق ما أبدع الشاعر الشاب شجنا تلك القصيدة التى كتبها في كفاح أبيه، وجعل لها عنوانا مترعا بالإشفاق، إن عنوان قصيدته في أبيه هو"طريد"والطريد يكون دائم الركض دائب السعى، ولم يكن ركض أبيه فرارا من أحد، ولا دأبه هدفا غير كريم، ولكن كان الركض الدائم والسعى الدائب يستهدفان أكرم مسعى، وأنبل هدف، وهما السعى في الحياة لتلبية أسباب العيش الكريم للأسرة ممثلة في زوجة فضلى، وأبناء نجباء، وأما القصيدة فهى تقدم نفسها على هذا النحو الفريد: تقسمه الإجهاد فهو مثقل ينوء بأعباء المعايش متعبا مدى العمر لا يلقى سلاحا بكفه فطورا أخا حرب وطورا تأهبا يظل بحومات الجهاد مكافحا فسببان في أيامه الشيب والصبا طريد من الإسعاد فالدهر خلفه دءوب ولن يألو هوى العيش مأربا كأن من الكون المدار حراكه فليس بوقّاف وليس مغلبا ألدّانِ موصولا الغلاب فحيثما ترى غالبا فالنصر قد نال غاصبا فبوركت من عمر تضاعف سعيه وبوركت من فذ وبوركت يا أبا ص _068