فهرس الكتاب
والشيخ الغزالى ـ شابا ـ وقد أنضم نفسه في سلك الشعراء قد عرف أن بعض موضوعات الشعر توصف بسوء السمعة كالهجاء والغزل المكشوف الذى يؤذى الذوق ويخدش الحياء ويغتال سمعة العفيفات الحرائر، بل إن فن المديح أيضا يصنف مع هذه الفنون سالفة الذكر إذا ما اصطنع الكذب ومارس النفاق وخلع على الممدوح من صفات الحسن ما هو عطل منها، ومن المؤسف أن الكثرة من شعراء المديح لم يبرءوا من هذه الصفات المرذولة حتى إن الأمير قابوس بن وشمكير سلطان طبرستان كان يرفض أن يستقبل الشعراء الذين يقفون ببابه برغم كونه شاعرا، وكان يقول لحاجبه: إنهم كاذبون منافقون، ويكتفى بأن يأمره بإجازتهم بالمال دون السماح لهم بالإنشاد بين يديه، فأراد الشاعر الشاب محمد الغزالى أن يبين أن المديح إذا ما توخى الصدق والاعتدال وقاطع النفاق والابتذال، صار من أكرم الفنون مقالة، ومن أسمى الموضوعات مكانة، فأنشأ لمثل هذا النهج مثالا في قصيدة جعل عنوانها"مدحة في صنيع"وفيها يقول: إذا كان حسن الشعر ميْنًا مزخرفا فلا كان شعرٌ نكب الصدق قائلهْ! لمحت اتساقا بين كل محبب وبيتك في قلب هو الطهر آهلهْ صنيع كعمق الخير فيك قبوله ومن روحك الزاكى ثوى في نائله توسمت إخلاصًا يحفّ جلاله وبهجة جوّاد نفى الزيفَ سائله *** أفاضت شعوري الجزل آيةُ منّةٍ نصرت بها والربع عُريان ماحله فكنت كزهر القفر أظهر طيبه من الشوك مؤذى اللمس تذوى قواتله فأىُّ جميل كبّلتنى قيودُه؟ وأىُّ شكور إننى الآن فاعلُه؟ هكذا كان محمد الغزالى معلما للفضائل في فجر سنيه التى قال فيها شعرا مثلما كان داعيا لمكارم الأخلاق في جميع مراحل حياته. ص _071