الصفحة 66 من 100

الوصف: كان الشعراء الفحول الأقدمون وبخاصة شعراء الشام ومصر والأندلس يرون أنه لا تكتمل للشاعر أسباب النبوغ إلا إذا أجاد شعر الوصف بعامة ووصف الطبيعة بخاصة، وقد برع في ذلك البحترى، وأبو تمام، وابن الرومى، وابن المعتز في العراق، والصنوبرى، والسرى الرفاء، وأبو عثمان، وأبو بكر الخالديان، وأبو الفتح كشاجم، والوأواء الدمشقى في بلاد الشام، وابن وكيع التنيسى، وصالح بن مؤنس، وأبو القاسم بن طباطبا، وأبو نصر كشاجم، والمرفقى في مصر وابن خفاجة، وابن حمديس، وأمية بن الصلت، وأحمد بن عبد ربه، وابن شهيد، وابن الزقاق البلنسى، وابن الحاج، والمعتمد بن عباد وغيرهم في الأندلس. أراد الشاب الصغير محمد الغزالى أن يصنع في شعر الطبيعة مثلما صنع هؤلاء الفحول المشاهير، وليس من شك في أن هذا الصنيع كان أمرا موسوما بالجرأة، ولا نريد أن نقول بالغرور، فالغزالى لم يكن قد بلغ العشرين من عمره وهو يطرق باب الشعر ويسهم فيه، ومع ذلك فقد طرق باب الوصف، فوصف الشمس، والشروق، ووصف الفجر والليل، ووصف البدر والنجوم بل إنه تشجع فوصف الطبيعة الخضراء، فكان ـ من عجب وبرغم حداثة سنه ومحدودية تجاربه ـ فارسا جريئا وإن يكن في أول مراحل الفروسية الشعرية التى لم يكملها طبقا لما أوضحناه في صدر هذه المقدمة. من المنطق ألا نمثل لكل هذه الموضوعات التى أشرنا إليها، ولكننا سنورد أمثلة من خلالها يمكن تقديم صورة أمينة عن الشاعر اليافع محمد الغزالى. في جرأة محمودة يصف شاعرنا الفجر، وهو في نهجه هذا لا ينحو طريق القصيدة المعتادة، ولكنه يسلك نهج المخمسات التى تتفق قوافيها في المصاريع الأربعة الأولى، وتختلف في المصراع الخامس الذى يتفق مع أمثاله قافية ورويا، يقدم الشيخ الغزالى الشاب هذا النهج الجديد قائلا: ما ذوَّب الغياهبا؟ وغرب الكواكبا؟ وشيب الذوائبا؟ فكاد يُخفى هاربا ضمتَ الظلام المطبقِ؟! لمح ضياء قاربا مُواكبا مَواكبا!! بالنور يرمى دائبا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت