فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 51

2 -مندوبة: وهي الوصية في وجوه الخير للأقرباء غير الوارثين، كالخال والعمة وأولادهم، أو أهل العلم والصلاح، والحديث الشريف دليل على ذلك: «ما حقُّ امرئٍ مسلم له شيءٌ يُريد أن يُوصيَ فيه، يبيتُ ليلتين إلا وصّيتهُ مكتوبة عندَه» [1] فقوله: يريدُ، يدلُّ على أنها مندوبة مسنونة لا واجبة، وقد قام الإجماع على أن من لم يُوص هذا النوع من الوصية، قسم جميع ماله على الورثة بعد تجهيزه إلى قبره وأداء الديون التي عليه لله وللناس، ولو كان هذا النوع من الوصية واجبًا لأخرج من ماله سهم لها.

وهذه الوصية المندوبة يجب أن تكون ضمن ثلث المال الباقي بعد أداء كل واجب في التركة، من تجهيز أو دين أو وصية واجبة. فقد سمحَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالثلث لسعد بن أبي وقَّاص، وقال له: «الثلثُ والثلثُ كثيرٌ، إنك أن تذرَ ورثتَك أغنياءَ خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكفَّفُون الناسَ» [2] . وقد آثر ابن عباس رضي الله عنهما الربع على الثلث لقوله - صلى الله عليه وسلم: «والثلث كثير» .

3 -مباحة: وهي الوصية لجار أو لصديق لا يُوصف بعلم أو صلاح، فلو نوى فيها البرَّ والصلة كانت مندوبة، لنية الطاعة، ويُثاب عليها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمالُ بالنيات» [3] وهي والمندوبة قبلها تكون في حدود الثلث الذي شرحناه آنفًا.

4 -مكروهة: وهي أن يُوصيَ بما كرهَ الشارعُ فعلَه، كإطعامِ النَّاس يوم وفاته، وجعل منها بعضهم أن يوصي لغريب وفي أقاربه محَاويج، أو ورثته فقراء والمال الذي تركه قليل. ولعلَّ في الآية ما يدلُّ على ذلك وهو:

{إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} [البقرة: 180]

أي: مالًا كثيرًا. وقوله تعالى:

{وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8]

أي: أن الإنسان يحبُّ المال كثيرًا.

وكلمة (خيرًا) الواردة في الآية تعني بالإضافة إلى كثرة المال كونه من خلال، ولذا قال بعض السلف: لا يُقال للمال: إنه خير إلا إذا كان كثيرًا، ومن كسب طيب حلال.

ويؤيده ما وردَ عن سيدنا علي كرم الله وجهه، أنه دخل على مريض ومنعه أن يُوصي فسأله المريض عن السبب فقال له: إنما قال الله تعالى:

{إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} [البقرة: 180]

وأنت فقير تركت شيئًا يسيرًا، وأولادك أحق به، وقد مرَّ معنا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال لسعد: «إنك أن تذرَ ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرَهم فقراءَ يسألون الناسَ» [4] .

ولذا قال بعضُ السلف: لا يُوصي إن ترك أقل من ألف دينار، وقال غيره: لا يُقال للمال: هو خير إلا إذا كان أكثر من ألف دينار، والحق أن يُقال: إن تقديرَ ذلك الخير يرجعُ إلى العرف، لاختلاف ذلك زمانًا ومكانًا.

5 -محرمة: كأن يُوصي بما حرَّمة الشارعُ الحكيم، كما لو أوصى أن يوضع بعض ماله في عمل محرَّم أو بدعة، أو بما يحقِّق ضررًا للورثة، ومثل هذه الوصية باطلة لا تنفذ، قال تعالى:

{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [النساء: 12]

إذ لا ضررَ ولا ضرار، كما وردَ في الحديث الشريف عن ابن عباس مرفوعًا: «الإضرار في الوصية من الكبائر» [5] .

3 -شروط الوصية المتطوع بها:

أ- أن تكون في حدود الثلث كما ذكرنا سابقًا والرُّبع أولى عند ابن عباس رضي الله عنهما، وقد بينا السبب.

ب- لا تجوز لوارث للحديث الشريف: «إن اللهَ أعطى كلَّ شيء حقه فلا وصيةَ لوارث» [6] .

فإن أوصى لوارث توقف تنفيذها على إجازة الورثة، فإن أجازوا نفذت وإلا فلا، وقد وردَ عن ابن عباس رضي الله عنهما عند الدارقطني: «إلا أن يشاءَ الورثة» [7] بإسناد حسن، وقال بعض الفقهاء: «إذا أجاز الورثة كان ذلك هبةً منهم لا إنفاذًا للوصية، والخلاف على أية حال لفظي.

فإذا غيَّر الورثة رأيهم ورجعوا عن إجازتهم، ففي المسألة قولان:

1 -لا رجوعَ لهم بعد أن أجازوا، لا في حياة الموصي ولا بعد مماته.

2 -لهم الرجوع في حياته لا بعد مماته، لانقطاع الحق بالموت.

4 -كيفية تنفيذها:

أ- بعد موت الموصي أو أي ميت نبدأ بتجهيزه إلى قبره من ماله، بتغسيله وتكفينه وحملة

(1) رواه البخاري ومسلم.

(2) رواه البخاري ومسلم.

(3) رواه البخاري ومسلم.

(4) رواه البخاري ومسلم.

(5) رواه الدارقطني.

(6) رواه الترمذي والنسائي.

(7) رواه الدارقطني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت