فهرس الكتاب
ثم إن اللبن الذي ترضعه الأم أولادها توعز إليهم الجبن أو الشجاعة بسلوكها؛ فإن هي ربتهم تربية الأرانب فأدفأتهم وأشبعتهم، وحاطتهم بكل ضروب العناية، ولم تسمح لهم أن يجربوا، وأن يخاطروا وأن يجازفوا، ثم حدثتهم من الأحاديث ما يخلع قلوبهم، ويحبب إليهم الحياة بأي ثمن، وعلمتهم أن لا قيمة للعقيدة بجانب حياتهم، ولا للوطن بجانب سلامتهم، وصاحت وولولت يوم يجندون، وفقدت رشدها يوم يسلحون، فهناك ترى صورة جند ولا جند، ويرى أشكال الرجال ولا رجال، وترى أجسامًا ضخامًا وقلوبًا هواءًا.
وإن هي ربتهم من صغرهم على المخاطرة والمجازفة، وحدثتهم أحاديث الأبطال وعظماء الرجال، وعودتهم مكافحة الحياة والتغلب على الصعاب، وعلمتهم أن المبادئ فوق الأشخاص، والوطن فوق حياة الأفراد، وعيرتهم يوم يفرون من واجب، وأنبتهم يوم يأتون بنقيصة، وفخرت بهم يوم يضحون لمبدأ، واعتزت بهم يوم يخاطرون لأمة _ فهناك الرجال، وهناك العزة، وهناك الشرف.
ألست ترى معي بعدُ أن قلب المرأة هو الذي يخلق قلب الرجل؟.
قَلِّبْ صفحات التاريخ إن شئت، فحيثما رأيت للأم قلبًا رأيت للرجل قلبًا، فإذا انخلع قلبها انخلع قلبه.
إن هندًا بنت عتبة التي تخاطب الجيش بقولها:
إن تُقبلوا نُعانِقِ ... أو تُدْبروا نُفارِقِ ... فراقَ غير وامِقِ
هي التي أنجبت معاوية.
وأسماء بنت أبي بكر التي قالت لابنها: يا بني لا ترضَ الدنية؛ فإن الموت لا بدَّ منه، فلما قال لها: إني أخاف أن يمثَّل بي، قالت: إن الكبش إذا ذبح لا يؤلمه السلخ_ هي التي أنجبت عبد الله بن الزبير.
والتاريخ مملوء بهذه الشواهد في كل أمة.
وظلت المرأة العربية على شهامتها ومعرفتها بأمور الدنيا حتى أصبحت المرأة ليست إلا رمزًا للمتعة، أو رمزًا للكيد؛ وتجادل الشعراء، فمنهم من يقول:
إن النساء رياحينٌ خُلِقنَ لنا ... وكلنا نشتهِي شَمَّ الرياحينِ
ومنهم من يقول:
إن النساء شياطين خلقن لنا ... نعوذ بالله من شرِّ الشياطينِ