فهرس الكتاب
وبهذا يضع الإنسانية كلها في حالة نفسية واحدة، تتلبس بها النفس في مشارق الأرض ومغاربها، ويطلق في هذه الإنسانية كلها صوت الروح يُعَلِّم الرحمة، ويدعو إليها، فَيُشْبِع فيها بهذا الجوع فكرةً معينة هي كل ما في مذهب الاشتراكية من الحق، وهي تلك التي يكون عنها مساواة الغنيّ للفقير من طبيعته، واطمئنان الفقير إلى الغني بطبيعته.
ومن هذين: الاطمئنانِ والمساواةِ يكون هدوءُ الحياة بهذه النفسين اللتين هما السلب والإيجاب في هذا الاجتماع الإنساني.
وإذا أنت نزعت هذه الفكرة من الاشتراكية بقيَ هذا المذهب كلُه عبثًا من العبث في محاولة جعل التاريخ الإنساني تاريخًا لا طبيعة له.
من قواعد النفس أن الرحمة تنشأ عن الألم، وهذا بعض السر الاجتماعي العظيم في الصوم؛ إذ يبالغ أشدَّ المبالغة، ويدقق كل التدقيق في منع الغذاء، وشبه الغذاء عن البطن وحواشيه مدةً آخرها آخر الطاقة؛ فهذه طريقة عملية لتربية الرحمة في النفس، ولا طريقة غيرها إلا النكبات والكوارث؛ فهما طريقتان كما ترى: مبصرة وعمياء، وخاصة وعامة، وعلى نظام وعلى فجأة.
ومتى تحققت رحمةُ الجائع الغني للجائع الفقير أصبح للكلمة الإنسانية الداخلية سلطانها النافذ، وحَكَمَ الوازع النفسي على المادة، فيسمع الغني في ضميره صوت الفقير يقول: =أعطني+، ثم لا يسمع منه طلبًا من الرجاء، بل طلبًا من الأمر لا مفرَّ من تلبيته والاستجابة لمعانيه، كما يواسي المبتلى مَنْ كان في مثل بلائه.
أية معجزة إصلاحية أعجب من هذه المعجزة الإسلامية؛ التي تقضي أن يُحذَف من الإنسانية كلها تاريخ البطن ثلاثين يومًا في كل سنة؛ ليحلَّ في محله تاريخ النفس؟