فهرس الكتاب
وأنا مستيقنٌ أن هناك نسبةً رياضية هي الحكمة في جعل هذا الصوم شهرًا كاملًا من كل اثني عشر شهرًا، وأن هذه النسبة متحققة في أعمال النفس للجسم، وأعمال الجسم للنفس، كأنه الشهر الصحيُّ الذي يفرضه الطب في كل سنة للراحة والاستجمام وتغيير المعيشة، لإحداث الترميم العصبي في الجسم.
ولعل ذلك آتٍ من العلاقة بين دورة الدم في الجسم الإنساني، وبين القمر منذ يكون هلالًا إلى أن يدخل في المحاق، إذ تنتفخ العروق وتربو في النصف الأول من الشهر، كأنها (مدّ) من نور القمر ما دام هذا النور إلى زيادة، ثم يراجعها (الجَزْرُ) في النصف الثاني؛ حتى كأن للدم إضاءةً وظلامًا.
وإذا ثبت أن للقمر أثرًا في الأمراض العصبية، وفي مدِّ الدم وجزره (1) فهذا من أعجب الحكمة في أن يكون الصيام شهرًا قمريًا دون غيره.
وفي ترائي الهلال ووجوب الصوم لرؤيته معنى دقيق آخر، وهو _ مع إثبات رؤية الهلال وإعلانها _ إثبات الإرادة وإعلانها، كأنما انبعث أول الشعاع السماوي في التنبيه الإنساني العام لفروض الرحمة، والإنسانية والبر.
وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة، وتقويتها بهذا الأسلوب العلمي، الذي يدرب الصائم على أن يمتنع باختياره من شهواته ولذةِ حيوانيته، مُصِرًّا على الامتناع، متهيئًا له بعزيمة، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولًا في كل ذلك أفضل طريقةٍ نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحوَّل، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة.
(1) قال الجاحظ في الحيوان: =ولزيادة القمر حتى يصير بدرًا، أثر بين زيادة الدماء والأدمغة وجميع الرطوبات+.