الصفحة 212 من 989

وقد كان للمسلمين من ذلك الحظ الذي لم يكن لغيرهم يومئذٍ من التسامح مع الأفكار، شهد بذلك التاريخ وأهله إلا المتعصبين منهم مع ما كان بين أصناف أهل الآراء من التناظر والجدل، ولكنك لا تجد ذلك محفوظًا بتعصب ولا اضطهاد، كنت ترى الأشعري بين يدي المعتزلي لا يستنكف عن تلقي فوائده، والاعتراف له بحق التعليم، وترى السني يتعلم عن القدري وعن الفيلسوف الشاك ِّ، قد كان عمرو بن عبيد الزاهد الشهير من خاصة تلاميذ الحسن البصري _ رحمهما الله _ وهو الذي كان مكلفًا بكتابة ما يمليه الحسن من التفسير الذي يرد به على القدرية والمعتزلة، وما كان يمنعه ذلك من المجاهرة باتباعه مذهب المعتزلة، ومن التحاقه بدروس واصل بن عطاء الغزال الذي قال له الحسن لما كثرت مناقشته اعتزل مجلسنا، فكان عمرو بن عبيد يختلف إلى الدرسين جميعًا، وما كان ذلك يمنع الحسن من تكليفه بإملاء تفسيره، حتى استخدم اختلاف الآراء آلة للتشيع السياسي حين أذنت الدولة العربية والجامعة الإسلامية بالانحلال والافتراق اللذين تركا من الآثار ما نحن نتخبط في مصائبه ولأوائه حتى اليوم.

وكذلك الحَجْر على الرأي يكون منذرًا بسوء مصير الأمة، ودليلًا على أنها قد أوجبت نفسها خفية من خلاف المخالفين، وجدل المجادلين، وذلك يكون قرين أحد أمرين، إما ضعف في الأفكار، وقصور عن إقامة الحق، وإما قيد الاستعباد الذي إذا خالط نفوس أمة كان سقوطها أسرع من هويّ الحجر الصلد.

حكى الجاحظ: أنَّ النظَّام دخل على شيخه أبي هذيل العلاَّف، فقال: يا أبا الهذيل! لم قررتم أن يكون الله _ تعالى _ جوهرًا خشية أن يكون جسمًا؟ فهلاَّ قررتم أن لا يكون جوهرًا مخافة أن يكون عرضًا، والجوهر أضعف من العرض، فبصق أبو هذيل في وجهه فقال النظَّام: قبحك الله من شيخ ! فما أضعف حجتك!.

وكان الخليفة المأمون يقول لأهل ناديه إذا جاروه على كلام: هلاَّ سألتموني لماذا؟ فإنَّ العلم على المناظرة أثبت منه على المهابة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت