الصفحة 213 من 989

دامت على ذلك الأمة الإسلامية متمتعة باحترام الأفكار، جرى كل واحد على أن يبوح برأيه، وجرى كل مستمع على تقويمه بالحق، وإن وقع في خلال ذلك حادثة صغيرة وقعت بالقدس بين الباطنية وأهل السنة؛ إلا أنهما لأسباب عالية، وغلط فاحش لا يسع ذكره اليوم.

لما استخدمت الآراء للسياسة، وشاعت المداهنة بين الناس، وضعفت الكبراء عن الحجة، يومئذٍ ساد اضطهاد الأفكار والضغط عليها؛ كي لا تسود على مخالفتها القاصرين الظاهرين في مظاهر العلماء المحققين.

نعني بالسياسة ما يقرن سياسة الدول في تصرفاتها وأغراضها بسياسة الأشخاص المسيطرين في هواهم، وربما كان القسم الثاني أشد على الأفكار لكثرة دواعيه، ووفرة منتحليه، وأنواع وجهتهم في هذا الغرض: منهم من يفعل ذلك إبقاءًا على منصبه، واستحفاظًا على وجاهته؛ لأنه يخال أن كل مخالفة له في الرأي تنذر بثَلِّ عرشه، وزلزال أركانِه، والمريضُ كثير الأوهام.

ومنهم الذي يسخط من مخالفة المعتاد، ويرى العادة دينًا أو شبه دين، يجب أن لا يتلاعب به الشخص، ومنهم الذي يتوهم أن الدين يخالف احترام الآراء، وهذا إن شئت أن تجعله فرعًا من سابقه وجدته لك أطوع من نعلك.

ومنهم الحاسد العاجز الذي يحب أن يظهر في مظاهر الكمال بكلمات يلفقها، ويحس في ذكر ذلك لذة ما دام منفردًا بها، فإن شاع ذلك بين الناس تميز من الغيظ.

كنت أعرف رجلًا ينادي بين الناس باسم النقد للحالة والطعن في الأوضاع المعتادة، وربما ترقى إلى بعض الشتيمة زمانَ كان يقول ذلك وحده يحب الشهرة وما يلقاها، ويترصد طريقها وما يقع بمرآها، كان يومئذٍ مستأثرًا بورقات ينقل منها ما يغلط به، فلما امتدت الأيدي، وانبرت العيون إليها، واستوى مع غيره في معرفتها _ انصاع يُقبِّح ذلك الحال، ويرى خلفه ودعاءهم في ضلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت