الصفحة 214 من 989

مما يخص بالوصاية والاحترام أفكار المتقدمين الذين وصلوا بنا إلى حيث ابتدأنا من العلم والمدنية، عوضًا أن نكون في متحركهم الأول نبتدئ سيرًا بطيئًا، كما قالوا: إن الإنسان ابن يومه لا ابن أمسه، فهو _أيضًا_ ليس بابنٍ لغده؛ فمقدار فضيلة الرجل ومكان شهرته لا ينظر فيه إلى غير يومه الذي كان فيه، فلا يغلط لنا كثير من الناس ينتقصون الأقدمين بمستدركات المتأخرين، فإنما تعرف مقادير الرجال بما أوجدوه، لا بما تركوه؛ ولكن طرق الشهرة لا تختلف، وهي قوة الفكر، ومرتبة العلم والعمل على تنوير آراء المتعلمين والقارئين في عقل صحيح، ونية قويمة، ونصح جهير.

قد استهوى هذا الغلط الشيخ أبا علي ابن سينا حين بالغ في ثنائه على أرسطو حتى قال: أما أفلاطون الإلهي فإن كانت غايته من الحكمة ما وصلنا من علومه فإن بضاعته إذن لمزجاة.

وكأنه نسي أنه لولا أفلاطون بكلماته القليلة خوّل لأرسطو أن يبني عليها كثيرًا _ لكان أرسطو هو أفلاطون وبضاعته الوافرة كانت مزجاة.

هذا أيها الناشؤون على النقد، الباحثون عن الحكمة نبراس مبين، أقمناه بين أيديكم؛ ليضيء لكم مستقبلًا نيّرًا وعسى إن اهتديتم بضيائه، واحتفظتم عليه من عواطف الأهواء والشبهات _ أن تحمدوا غبَّه، وتسلكوا به طريق العقلاء، فتصبحوا سمراءَهم، والله يضيء آراءَكم بالحكمة.

الطب في نظر الإسلام (1) للشيخ العلامة محمد الخضر الحسين

(1) مجلة (الهداية الإسلامية) الجزءان الأول والثاني من المجلد التاسع عشر الصادران في رجب وشعبان 1365، وانظر روائع مجلة الهداية الإسلامية _ الإسلام والطب _ إعداد الأستاذ علي الرضا الحسيني ص9_20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت