الصفحة 216 من 989

لما دخل عضدُ الدولة بغداد دخل عليه من الأطباء أبو الحسنِ الحرَّانيُّ وسنانُ ابن ثابت، فقال: من هؤلاء؟ قالوا: الأطباء، قال: نحن في عافية، وما بنا حاجة إليهم، فقال له سنان: أطال الله بقاء مولانا، موضوع صناعتنا حِفْظُ الصحة لا مداواة المرضى، والملك أحوج الناس إلى حفظ الصحة، فقال عضد الدولة: صدقت، وقرر لهما الجاري السنوي، وقرَّبهما إلى مجلسه في طائفة من الأطباء.

رفع الإسلام من شأن الطب: مداواة العلل، وحفظ الصحة، وعرف هذا من القرآن الكريم، وأقوال النبي"وسيرته."

أما القرآن الكريم فقد أذن في ترك بعض الفرائض متى كان القيام بها يؤثر في الصحة بإحداث مرض، أو زيادته، أو تأخر برئه، وشرعَ في أحد هذه الأحوال التيمم بدل الوضوء أو الغسل، كما أذن للمريض والمسافر أن يترك كلٌّ منهما الصيامَ الواجبَ، ويقضيَ المريضُ الأيامَ التي أفطر فيها عندما تعود إليه صحته، كما يقضي المسافر أيام إفطاره عندما ينقطع سفره، قال _ تعالى _: [فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ] (البقرة:184) .

والإذن في الفطر للمسافر من قبيل حفظ الصحة؛ فإن السفر مَظِنةُ التعب، والتعب من مغيِّرات الصحة، فإذا وقع فيه الصيام ازداد التعب، فيزداد تغير الصحة.

وحرَّم الإسلام الدمَ ولحمَ الخنزير والميتة وما ألحق بها من المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع.

وسرُّ هذا التحريم أنها مؤثرة في الصحة، كما بيَّن هذا الأطباء في القديم والحديث، وقد تحدَّث الأطباء في هذا العصر عن مضارها من جهة الصحة بأوسع بيان.

وحرَّم القرآن مباشرة الحائض، وقد بسط الأطباء _ أيضًا _ في مضار هذه المباشرة بها من جهة الصحة مما يدل على أنه تحريم شارع حكيم.

وحرَّم القرآن الخمر والزنا، ولهذه المحرمات مضار صحية علاوة على المضار الاجتماعية، وكذلك فعل الأطباء اليوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت